في اليوم العالمي للمسرح… تاريخ عريق وتحديات معاصرة في لبنان

يُعدّ المسرح أقدم الفنون الدرامية، لذلك يسمى "أبو الفنون" ، إذ تعود جذوره إلى العصر الإغريقي، ويُحتفل به عالمياً في السابع والعشرين من آذار/مارس من كل عام. أما في لبنان، فقد بدأت الحركة المسرحية فعلياً عام 1847 مع مارون النقاش الذي قدّم مسرحية البخيل، تلتها مراحل متنوعة، من المسرحيات التاريخية إلى الواقعية الاجتماعية التي تأثرت بحركة أدباء المهجر.
في ستينيات القرن الماضي، شهد المسرح اللبناني تطوراً كبيراً بفضل أعلام بارزة، أبرزهم الأخوان رحباني اللذان قدّما أعمالاً جمعت بين الاستعراض والغناء، ناقلين العادات والتقاليد اللبنانية إلى الخشبة. لاحقاً، جاء زياد الرحباني بنقلة نوعية عبر أعمال تحمل بعداً اجتماعياً ساخراً يعكس الواقع اللبناني.
على صعيد آخر، أسّس حسن علاء الدين "شوشو" المسرح الوطني اللبناني عام 1965، فكان رائداً في المسرح الكوميدي الشعبي حتى أُغلق بعد رحيله.
إلى جانبه، نشأت مدرسة المسرح الحديث، وكان بين أوائل المنضمّين إليها الفنان الراحل أنطوان كرباج وأسعد خير الله. أما مسرح "الساعة العاشرة"، فشكّل ظاهرة كوميدية مستوحاة من المسرح الفرنسي الساخر.
أما الفنان جورج خباز فيتميز في المسرح بأسلوبه الفريد، حيث يستطيع من خلال أعماله المسرحية أن يقدّم عروضًا تتناول الواقع اللبناني بأسلوب نقدي ساخر يجذب الجمهور بمختلف فئاته. تتميز مسرحياته بالحبكة الذكية التي تمزج بين الضحك والرسائل العميقة، ما جعله من أبرز الوجوه المسرحية في لبنان. ويقدم خباز حالياً مسرحية "خيال صحراء" مع الممثل اللبناني عادل كرم.
من جهته، يعتمد الفنان يحيى جابر على الأسلوب الساخر والناقد في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية، حيث تميّزت أعماله بالمونولوجات التي تعكس حال المواطن اللبناني وتعبّر عن همومه اليومية بأسلوب مباشر وبسيط.
في السنوات الأخيرة، تراجع المسرح اللبناني بشكل ملحوظ بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية، فغابت الأعمال الكبيرة لصالح المسرحيات التجارية وStand-up Comedy، لكن بعض المبادرات الفردية لا تزال تحاول إحياء هذا الفن، وسط جهود رسمية لتأهيل المسارح.
كما تعاني الفرق المسرحية من صعوبة تأمين تكاليف الإنتاج والرواتب، بينما يشهد شباك التذاكر انخفاضًا في المردود، ما دفع العديد من العاملين في هذا المجال إلى البحث عن فرص في الأعمال التلفزيونية والسينمائية خارج لبنان لضمان الاستمرارية. ورغم هذه التحديات، لا تزال بعض المسارح تحاول الصمود من خلال تخفيض أسعار التذاكر والاعتماد على الدعم من الأصدقاء والرعاة، إلا أن الإنتاج الضخم بات نادرًا، مع تحول التركيز إلى أعمال أقل تكلفة، مثل المسرحيات الصغيرة والعروض الترفيهية والفكاهية. ورغم ذلك، لا يزال مسرح المدينة واحدًا من المسارح القليلة التي تواصل تقديم العروض، محافظًا على دوره في دعم الحركة الثقافية.
وتأتي تلك المعاناة بسبب قلة الدعم والمساندة على مستوى المؤسسات الرسمية. المسرحيون في لبنان يعتمدون بشكل كبير على جهودهم الفردية لإنتاج العروض، ما يجعلهم في حالة من التحدي المستمر للبحث عن سبل للإبداع رغم غياب الدعم الحكومي.
وفي يوم المسرح العالمي، يبقى الأمل قائماً بعودة المسرح اللبناني إلى مجده، شرط توفير النصوص الجيدة، الدعم الإنتاجي، وذوق عام يقدّر الفن الراقي.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية