لم يكن مهرجان “أعياد بيروت” هذا العام مجرد سلسلة حفلات غنائية، بل كان رسالة واضحة بأن الفن لا يتراجع أمام الأزمات، وأن بيروت، مهما اشتدت عليها الظروف، تبقى مدينة تنبض بالموسيقى والثقافة والحياة.وفي وقت فرضت فيه الأوضاع الأمنية والسياسية التي شهدها لبنان حالة من الترقب، وألقت بظلالها على الموسم الفني، حتى غابت أو تأجلت العديد من المهرجانات، نجح مهرجان “أعياد بيروت” في كسب واحد من أصعب الرهانات، مقدماً دورة استثنائية أعادت الثقة بإمكانية إقامة فعاليات كبرى في لبنان، ورسخت مكانته كأضخم مهرجان فني شهده البلد خلال صيف 2026.لم يكن التحدي تنظيم الحفلات فحسب، بل الحفاظ على استمرارية مهرجان أصبح جزءاً من هوية العاصمة الثقافية. ومن هنا، جاء شعار الدورة الحادية عشرة “بيبقى لبنان” ليختصر الرسالة كاملة؛ فبينما كانت الظروف تفرض الكثير من علامات الاستفهام، اختار القائمون على المهرجان أن يواجهوا الواقع بالفن، وأن يؤكدوا أن ثقافة الحياة أقوى من كل الأزمات.وأقيمت فعاليات المهرجان على الواجهة البحرية لبيروت، حيث تحولت الأمسيات إلى موعد يومي جمع آلاف الحاضرين، في مشهد أعاد نبض السهر إلى العاصمة. والأهم أن غالبية الحفلات رفعت شعار Sold Out قبل موعدها، في دليل واضح على تعطش الجمهور اللبناني والعربي لعودة الحياة الفنية، وعلى الثقة الكبيرة التي يحظى بها هذا الحدث.افتتحت النجمة عبير نعمة المهرجان في 16 تموز/يوليو بحفل حمل الكثير من الإحساس والرقي، ليواصل الفنان الأخرس نجاحه الجماهيري في أول مشاركة له ضمن “أعياد بيروت”، وسط تفاعل لافت مع أغانيه التي رددها الجمهور عن ظهر قلب.وفي محطة مختلفة، عاد المؤلف الموسيقي العالمي غي مانوكيان ليؤكد علاقته الخاصة بالمهرجان، مقدماً أمسية موسيقية جمعت بين الإبداع والحضور الراقي، فيما أضفى الكوميدي اللبناني جون أشقر جرعة من الكوميديا على البرنامج، ليؤكد أن “أعياد بيروت” لم يكتفِ بالموسيقى، بل قدّم برنامجاً متنوعاً خاطب مختلف الأذواق.واستمرت الليالي مع النجم جوزيف عطية الذي أشعل المسرح بأغانيه، قبل أن يأخذ الموسيقي اللبناني العالمي إبراهيم معلوف الجمهور في رحلة موسيقية استثنائية عكست مكانته العالمية. كما سجّل الفنان الشامل مروان خوري حضوره الأول في المهرجان، في واحدة من أكثر الأمسيات انتظاراً، وصولاً إلى ليلة الختام التي أحيتها ملكة الإحساس إليسا، والتي تحولت إلى احتفال جماهيري كبير، اختتمت به دورة وُصفت بأنها من أنجح الدورات في تاريخ المهرجان.ولم يكن نجاح “أعياد بيروت 2026” وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة وجهود تنظيمية كبيرة بذلتها شركتا Star System و2U2C، اللتان نجحتا في تقديم نسخة متكاملة، رغم كل التحديات اللوجستية والظروف المحيطة، فيما واكبت “أغاني أغاني” الحدث برعاية إعلامية إلى جانبها “جبل لبنان” و”Nostalgie”.ومع إسدال الستار على الدورة الحادية عشرة، أثبت “أعياد بيروت” أنه لم يكن مجرد مهرجان صيفي، بل علامة فارقة في المشهد الثقافي اللبناني هذا العام، ورسالة أمل أكدت أن بيروت، مهما اشتدت عليها الأزمات، ستبقى مدينة تعرف كيف تحتفل بالحياة، وكيف تجعل من الفن مساحة للفرح والصمود.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









