قد يبدو منطقياً أن السوائل الأكثر لزوجة تجعل حركة الخلايا السرطانية أصعب، لكن تجربة علمية حديثة كشفت مفارقة لافتة: التعرض المطوّل لوسط لزج قد يدفع خلايا سرطان الدماغ إلى التكيف مع بيئتها، لتصبح أصغر وأكثر مرونة وقدرة على اجتياز المساحات الضيقة.
وأظهرت النتيجة في دراسة تناولت الورم الأرومي الدبقي، وهو ورم دماغي عدواني تستطيع خلاياه التسلل إلى الأنسجة المحيطة، ما يجعل التعامل معه أكثر تعقيداً. ونشر الباحثون نتائجهم في دورية «Microsystems & Nanoengineering»، فيما عرض موقع «ساينس ديلي» أبرز تفاصيل الاكتشاف
شهر واحد غيّر سلوك الخلايا
لمراقبة ما يحدث، طوّر فريق بحثي من الصين شريحة مجهرية تسمح بمتابعة الخلايا أثناء تحركها عبر ممرات ضيقة تشبه العوائق التي تواجهها في بيئتها
ووضع الباحثون نوعين من خلايا الورم الأرومي الدبقي، هما U-251 وLN-229، في وسط عالي اللزوجة لمدة شهر، ثم قارنوا حركتها بخلايا لم تتعرض للظروف نفسها.
وجاءت النتيجة غير المتوقعة: الخلايا التي تكيفت مع الوسط اللزج تحركت لمسافات أطول وأظهرت قدرة أكبر على الهجرة. وكشفت الملاحظات المجهرية أنها أصبحت أصغر حجماً وأكثر قابلية للتشوه، وهي خصائص قد تساعدها على المرور عبر الفجوات الضيقة. ليست كل الخلايا تتصرف بالطريقة نفسها
لاحظ العلماء أيضاً تغيرات في شكل أنوية الخلايا، إلى جانب تراكم بروتين يُعرف باسم YAP داخلها. ويساعد هذا البروتين الخلايا على الاستجابة للقوى الميكانيكية، وقد يرتبط بتنظيم عمليات داخلية تؤثر في سلوكها.لكن الاستجابة اختلفت بين نوعي الخلايا: فقد سجل الباحثون تغيرات في نشاط جينات مرتبطة بالحركة والغزو لدى خلايا U-251، في حين أظهرت خلايا LN-229 تغيرات في بنيتها ومرونتها من دون تغيرات جينية مستمرة مماثلة.
والأكثر إثارة أن بعض آثار التكيف استمرت حتى بعد نقل الخلايا إلى وسط أقل لزوجة، في ظاهرة وصفها الباحثون بـ«الذاكرة الميكانيكية». أي إن أثر البيئة الفيزيائية السابقة قد يستمر، بدلاً من أن يختفي فور تغير الظروف.
هل نحن أمام علاج جديد؟
ليس بعد. فالدراسة تفتح نافذة جديدة لفهم كيفية استجابة خلايا سرطان الدماغ للبيئة المحيطة بها، وقد تساعد في اختبار مسارات خلوية يمكن استهدافها مستقبلاً.لكن النتائج لا تزال مخبرية، ولا تثبت أن هذه الآلية تزيد انتشار الورم لدى المرضى أو أن تعطيلها سيؤدي إلى علاج أكثر فاعلية. والخطوة التالية هي التحقق من هذه النتائج في نماذج أكثر تعقيداً، وفهم مدى أهميتها داخل الدماغ البشري.
وبالتالي، لا تتأثر الخلايا السرطانية بما يحيط بها كيميائياً فقط؛ فالخصائص الفيزيائية للبيئة قد تؤثر أيضاً في طريقة تكيفها وحركتها، وهو جانب يسعى العلماء إلى فهمه بصورة أعمق.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









