“عندما تحبك الحياة تهديك أنثى، وعندما تحبك أنثى تهديك الحياة”… بهذه العبارة تختار الكاتبة إسلام العتوم أن تفتح كتابها “رسائل أمي”، لتضع القارئ منذ السطر الأول أمام ثنائية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزل جوهر المشروع الذي يشتغل عليه الكتاب: الإنسان بوصفه كائناً لا يكتمل بمعزل عن الآخر، والعلاقات بوصفها مساحة تتقاطع فيها الحاجة بالحب، والأمان بالخوف، والاختيار بالمسؤولية.
في “رسائل أمي” لا تبدو الأم مجرد شخصية سردية، بل تتحول إلى صوت معرفي وأخلاقي يستعيد خبرة الحياة من موقع شديد الخصوصية. ومن خلال هذا الصوت، تحاول إسلام العتوم تفكيك العلاقات الإنسانية بعيداً عن الصورة الرومانسية المثالية التي غالباً ما تُقدَّم بها، لتضع القارئ أمام أسئلة أكثر قسوة وواقعية: لماذا نحب؟ لماذا نتعلّق؟ لماذا نفشل في حماية علاقاتنا؟ وهل يكفي الحب وحده كي تستمر العلاقة؟
من هنا، تتجاوز رسائل الكتاب حدود النصائح العاطفية المباشرة، لتلامس مجموعة من المفاهيم التي تشكّل البنية النفسية والأخلاقية للإنسان: الحب غير المشروط، الأمان، التسامح، الفقد، التعلّق، الاحتياج، فهم الآخر، والقدرة على قراءة الذات قبل محاولة قراءة الآخرين.
من “رسالة الأم” إلى فلسفة العلاقة
اختارت العتوم أن تقسّم أفكار كتابها إلى “أفجار” متتالية، في بناء يحمل دلالة رمزية لافتة؛ فالفجر في معناه المجازي هو لحظة انكشاف بعد عتمة، وربما أرادت الكاتبة من خلال هذا البناء أن تجعل كل مرحلة من مراحل الكتاب أشبه بنافذة جديدة يطل منها القارئ على جانب مختلف من ذاته وعلاقاته.
وتبدأ الرحلة من العلاقة الأكثر حميمية: علاقة الأم بابنتها، قبل أن تتسع الدائرة تدريجياً لتشمل العلاقات الإنسانية التي تشكل في مجموعها النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى العلاقة الزوجية التي تحظى بمساحة واضحة في الكتاب.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة العمل؛ إذ لا تنظر الكاتبة إلى العلاقة باعتبارها حالة عاطفية عابرة، وإنما باعتبارها كياناً يحتاج إلى وعي مستمر كي يستمر. فحين تصف العلاقة الزوجية بأنها “كائن حي يحتاج إلى الغذاء كي ينمو ويتطور”، فإنها تنقل مفهوم الزواج من كونه عقداً اجتماعياً أو حالة رومانسية إلى كونه مشروعاً إنسانياً يحتاج إلى رعاية ومراجعة ونضج.
لكن الكتاب لا يكتفي بتقديم هذه الصورة المثالية؛ إذ تذهب العتوم إلى الجهة الأخرى من المشهد، حين تشير إلى أن كثيراً من العلاقات الزوجية “قد هجرت الضياء الذي يملأ سطح الأرض”. وفي هذه المسافة بين النور والعتمة، تبدو العلاقة الإنسانية في الكتاب كمساحة قابلة للبناء والهدم في الوقت نفسه.
الأخلاق… الغائب الأكبر في معادلة العلاقات
من أكثر المحاور إثارة للتأمل في “رسائل أمي” حديث الكاتبة عن القيمة والأخلاق والسلوك.
فالقيمة، وفق التصور الذي تقدمه، ليست مجرد شعار أخلاقي، وإنما منظومة داخلية تحدد ما يعتبره الإنسان جديراً بالرغبة أو غير جدير بها. أما الأخلاق فتتحول إلى مرآة للذات، في حين يصبح السلوك ترجمة عملية لما يؤمن به الإنسان.
وهنا تطرح العتوم سؤالاً يتجاوز حدود العلاقة الزوجية إلى المجتمع بأكمله: ماذا يحدث عندما يدخل الإنسان علاقة من دون أن يمنحها قيمة أخلاقية؟
ربما تكمن الإجابة في كثير من العلاقات الهشة التي تبدو ناجحة من الخارج، لكنها تفتقر في العمق إلى الاحترام والمسؤولية والحدود الواضحة. فالمشكلة، كما يوحي الكتاب، ليست دائماً في غياب الحب، بل أحياناً في غياب المنظومة الأخلاقية التي تمنح الحب القدرة على الاستمرار.
وهذه الفكرة تحديداً تمنح الكتاب بعداً اجتماعياً يتجاوز الخطاب العاطفي؛ لأن العلاقة، في نهاية المطاف، ليست شأناً فردياً خالصاً، بل لبنة في بناء المجتمع. وما يحدث داخل العلاقات الخاصة يجد طريقه، عاجلاً أم آجلاً، إلى المجال العام.
الطلاق… حين يصبح الانفصال نتيجة لا مفاجأة
في زمن تتزايد فيه معدلات الطلاق في المجتمعات العربية، تقارب إسلام العتوم مفهوم الانفصال من زاوية مختلفة؛ إذ ترى أن فهم معنى الزواج منذ البداية يقود بالضرورة إلى فهم معنى الطلاق.
الفكرة هنا لا تتمحور حول إدانة الطلاق أو تمجيده، بل حول سؤال أعمق: هل يعرف الإنسان فعلاً لماذا يتزوج؟
فالإنسان الذي يدخل مؤسسة الزواج من دون أن يفهم دوافعه واحتياجاته وطبيعته النفسية، قد يجد نفسه لاحقاً عاجزاً عن فهم أسباب الانفصال. ولهذا تبدو دعوة الكاتبة إلى فهم الذات واحدة من المفاتيح المركزية في الكتاب؛ لأن العلاقة مع الآخر تبدأ، paradoxically، من العلاقة مع النفس.
وفي هذا السياق، تصبح معرفة الذات شرطاً سابقاً لمعرفة الآخر، ويصبح النضج العاطفي ليس ترفاً في العلاقات، بل أحد شروط بقائها.
كسر “التابو”… حين تقترب الرسالة من المناطق المسكوت عنها
لا تبتعد “رسائل أمي” عن المناطق الحساسة في العلاقات الإنسانية، بل تقترب من بعض الموضوعات التي لا تزال تُحاط في المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة من الصمت، ومن بينها العلاقة الحميمة بين الزوجين.
وهنا تحاول العتوم نقل النقاش من منطقة المسكوت عنه إلى منطقة الحوار، باعتبار أن تجاهل بعض جوانب العلاقة لا يؤدي بالضرورة إلى حل مشكلاتها، بل قد يضاعفها.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن الكتاب لا يتعامل مع العلاقة الحميمة بوصفها موضوعاً منفصلاً عن بقية مكونات الزواج، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع من التواصل والثقة والأمان والاحترام.
لغة لا تخشى مغادرة القاموس المستهلك
على المستوى الأسلوبي، تحاول إسلام العتوم الابتعاد عن اللغة الوعظية التقليدية وعن العبارات العاطفية الجاهزة التي باتت تتكرر في كثير من كتب العلاقات والتنمية البشرية.
ويظهر ذلك في بعض المصطلحات والتراكيب غير التقليدية التي تستعملها، ومنها تعبير “فجر الاستعمار العاطفي”، الذي يحمل محاولة واضحة لإعادة تسمية الظواهر العاطفية بلغة مختلفة، تمنح القارئ زاوية جديدة للنظر إليها.
وهنا لا تأتي اللغة بوصفها أداة لنقل الفكرة فحسب، وإنما تصبح جزءاً من الفكرة نفسها؛ فإعادة تسمية الأشياء قد تكون أحياناً الخطوة الأولى لإعادة التفكير فيها.
أما السرد، فيقوم على أسلوب “السهل الممتنع”: لغة سلسة وقريبة من القارئ، لكنها لا تتخلى عن البعد التأملي. وهذه السلاسة تجعل الكتاب قابلاً للقراءة من شرائح عمرية وثقافية مختلفة، من دون أن يتحول إلى خطاب مبسّط يفقد موضوعه عمقه.
هل تكفي الحكمة لبناء علاقة ناجحة؟
ربما يكون السؤال النقدي الأهم الذي يتركه “رسائل أمي” خلفه ليس: ماذا يجب أن نفعل كي تنجح علاقاتنا؟ بل: لماذا نكرر الأخطاء نفسها رغم كل ما نعرفه عن العلاقات؟
فهناك فارق بين امتلاك الحكمة والقدرة على ممارستها، وبين معرفة قيمة التسامح والقدرة على التسامح، وبين فهم معنى الحب والقدرة على ممارسة حب ناضج لا يتحول إلى امتلاك أو احتياج أو استنزاف.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة “رسائل أمي” ليس باعتباره كتاباً يقدم وصفة جاهزة للعلاقات الناجحة، وإنما باعتباره محاولة لوضع القارئ أمام مرآة داخلية؛ مرآة تجعله يعيد النظر في طريقة اختياره، وحبه، وتعلقه، وخلافه، وانفصاله، وحتى طريقته في فهم نفسه.
ولعل القيمة الحقيقية لأي كتاب يتناول العلاقات الإنسانية لا تكمن في عدد النصائح التي يقدمها، وإنما في الأسئلة التي ينجح في تركها داخل القارئ بعد إغلاق صفحاته.
من الحكمة الفردية إلى الوعي المجتمعي
في المحصلة، تضع إسلام العتوم في “رسائل أمي” العلاقة الإنسانية في موقع يتجاوز كونها شأناً عاطفياً خاصاً؛ فالعلاقات، كما يوحي الكتاب، هي أحد المؤشرات الأكثر صدقاً على مستوى الوعي الذي يمتلكه المجتمع.
فالمجتمع الذي يعرف أفراده كيف يحبون، ويختلفون، ويضعون الحدود، ويتحملون المسؤولية، ويحترمون الآخر، ويغادرون حين يصبح الاستمرار مؤذياً، هو مجتمع أكثر قدرة على إنتاج علاقات صحية وأقل عرضة لإعادة إنتاج العنف العاطفي والاجتماعي بأشكاله المختلفة.
ومن هنا، تبدو “رسائل أمي” أقرب إلى محاولة لصياغة “بوصلة” للعلاقات الإنسانية، لا لأنها تقدم إجابات نهائية، بل لأنها تفتح مساحات للتأمل في الأسئلة التي غالباً ما نتجنبها.
فالحكمة، في النهاية، لا تصبح بوصلة إلا عندما تتحول من كلمات نقرأها إلى وعي نمارسه؛ والعلاقات لا تصبح ناجحة بمجرد أن نعرف قواعدها، وإنما حين نمتلك الشجاعة الكافية لنرى أنفسنا داخلها.
وهنا تحديداً تكمن المسافة بين قراءة كتاب عن العلاقات وبين أن نتعلم فعلاً كيف نكون أكثر إنسانية في علاقاتنا.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









