في حلقة اتّسمت بالصدق العالي والحديث العميق، حلّ النجم فارس إسكندر ضيفًا على برنامج “ولعانة” الذي تقدّمه النجمة رولا شامية عبر إذاعة “أغاني أغاني” على الموجة87.9 fm ، في لقاء خرج عن الإطار التقليدي للمقابلات الفنية، واتّخذ منحى إنسانيًا وفكريًا، كشف فيه فارس إسكندر عن محطات مفصلية في حياته الشخصية والفنية، وتحدّث بعفوية نادرة عن تجربته، قناعاته، وهواجسه في زمن تغيّر فيه شكل الأغنية، وتبدّلت علاقة النجم بالجمهور.فارس إسكندر، الذي راكم مسيرته بين الكتابة والتلحين والغناء، لا يحبّ حصر نفسه في لقب واحد. يرى أنّ كل مرحلة مرّ بها شكّلت جزءًا من هويته الفنية، ويعتبر أنّ انتقاله من الشعر إلى التلحين ثم إلى الغناء لم يكن قفزة سريعة، بل مسارًا تدرّجيًا أخذ وقته الطبيعي، خطوة بعد خطوة، إلى أن نضج في كلّ محطة. وهو اليوم ينظر إلى تلك المراحل بفخر، باعتبارها أساس شخصيته الفنية التي تشكّلت بالتجربة لا بالاستعجال.
وخلال حديثه، توقّف فارس إسكندر عند مفهوم “الأغنية المستفزّة”، موضحًا أنّ الاستفزاز الذي اعتمده في عدد من أعماله لم يكن يومًا سلبيًا، بل مدروسًا وإيجابيًا، هدفه شدّ انتباه المتلقي في زمن أصبحت فيه الأغنية لا تملك أكثر من ثلاث دقائق لتخطف المستمع من هاتفه، من همومه، ومن زحمة يومه. من هنا، اختار أن يطرق مواضيع تخلق نقاشًا، وتثير تفاعلًا، وتُشعر الناس أنّ ما يسمعونه يشبههم ويمسّ واقعهم.وعن دخوله مجال الغناء، يؤكّد فارس أنّ القرار لم يكن مخطّطًا أو محسوبًا، بل فُرض عليه بطريقة غريبة فرضتها الظروف. فمع اندلاع الأزمات المتتالية، من أحداث البلد، إلى جائحة كورونا، وصولًا إلى صعود “تيك توك” كمنصّة جديدة، وجد نفسه أمام مساحة مفتوحة للتعبير. وقت الفراغ الطويل، كثافة الأخبار، وتسارع الأحداث اليومية، كلها شكّلت مادة خصبة للأفكار. ومن هنا بدأت الرسائل الغنائية القصيرة، الردّات، والترندات التي لاقت تفاعلًا لافتًا.
محطّة مفصلية شكّلتها أغنية “ابني حلو”، التي كتبها من قلبه بعد فاجعة انفجار مرفأ بيروت. كانت تعبيرًا صادقًا عن وجع حقيقي، فانتشرت بشكل جنوني، وتلقّفتها البرامج والمحطات الكبرى، ما جعله يشعر بأن الجمهور يطالبه بالمزيد. بعدها، تنوّعت أعماله بين الجدي والساخر، الاجتماعي و”المهضوم” ، من ترند الأسماء إلى أغنيات المناسبات، حتى بات اسمه حاضرًا مع كل حدث، سواء كان فرحًا أو حزنًا، وكأن الناس باتت تنتظر منه موقفًا فنّيًا يعكس نبض اللحظة.ورغم هذا الحضور الواسع، يشدّد فارس إسكندر على أنّ كل ما حصل لم يكن مخطّطًا له، ولا نابعًا من رغبة في فرض نفسه على الناس، بل جاء بسلاسة تشبه “جرّة المي”، حيث أخذ الجمهور يقرّر تلقائيًا متى وأين يريد سماعه.ويتوقّف فارس إسكندر عند التحوّل الكبير في علاقة الناس بالفنان، معتبرًا أنّ الجمهور اليوم أصبح شديد الحساسية تجاه التصنّع. فحين يشعر المتلقي بأن الفنان يركب الترند، أو يستغل العاطفة، أو يتاجر بالشفقة، تنقلب العلاقة فورًا إلى نفور. أمّا حين يكون الفنان على طبيعته، صادقًا، متواضعًا، وغير انتهازي، فإن الناس تحبّه مهما كان نوع المحتوى الذي يقدّمه.ويشير إلى أنّ مفهوم النجومية تغيّر جذريًا، فاليوم يمكن لأي شخص، مهما كانت مهنته أو عمره، أن يصبح نجمًا إن قدّم محتوى حقيقيًا يشبهه.
الفيديو الصادق بات أقوى من الإنتاج الضخم، والحقيقة أصبحت العملة الأغلى في عالم السوشيال ميديا.وتوقّف فارس إسكندر مطوّلًا عند شمس الأغنية نجوى كرم، معتبرًا أنها ليست مجرّد نجمة، بل «أخت غالية وكبيرة بالقلب والمكانة». وكشف أنهما التقيا منذ أيام قليلة بالصدفة خلال وجودهما في مكان واحد لأداء واجب معيّن، لافتًا إلى أن لهفتها وملقاها يتركان إحساسًا خاصًا، وكأنها ما زالت تحمل في روحها حبّ زحلة ودفئها، ذلك الانتماء الذي لا يفارقها مهما ابتعدت.وأشار إلى أن العمل مع نجوى كرم له خصوصيته، موضحًا أن أي مشروع فني يُقدَّم لها يجب أن يكون على مستوى اسمها، وقال إن الأغنية التي تشبه «الست نجوى» تُسمَع منها قبل أي شخص آخر، لأنها وحدها القادرة على أن تمنح العمل هويته الحقيقية.
وأضاف أن الخطط الإنتاجية والتفاصيل الإصدارية تعود لها بالدرجة الأولى، مؤكدًا أن التعاون معها أمر وارد دائمًا، وأن «شيئًا أكيدًا سيُنجَز» حين تتوافر اللحظة المناسبة.وفي سياق الحديث، كشف فارس إسكندر أن الأغنية التي تعا تعا خبيك كانت مخصّصة أساسًا لشمس الأغنية اللبنانية نجوى كرم ، مشيرًا إلى أنها عندما سمعتها للمرة الأولى، كانت تعمل على تسجيل ألبوم كامل، لكنها قررت إيقاف العمل عليه من أجل تسجيل هذه الأغنية تحديدًا، قبل أن يتولى توزيعها الموسيقي هادي شرارة، في محطة عكست مدى إحساسها العالي بالكلمة واللحن واختيارها لما يلامسها فنيًا.
ولم يغب عن حديثه اسم الفنانة إلين خلف، حيث عبّر عن محبته الكبيرة لها، معتبرًا أن عودتها إلى الساحة أمر طبيعي ومستحق، لأنها فنانة «بتلبق لها الرجعة». وقال إنها صديقة قريبة من القلب، وقد جمعتهما أعمال سابقة شكّلت محطات مهمّة في مسيرتها، من بينها أغنيتا « قلبي البريء» و«شايفو»، في فترة كانت تمرّ خلالها بتجربة عودة بعد بعض الظروف الصعبة.ووصف فارس إلين خلف بأنها طاقة حياة وفرح، تمتلك صوتًا «يرنّ مثل الجرس»، مؤكدًا أنه ما زال على تواصل معها من وقت إلى آخر، وأن العلاقة بينهما قائمة على الودّ والاحترام. كما أشار إلى أن المقابلة الأخيرة التي أطلت فيها كانت صادقة وشفافة، وأظهرت مقدار المحبة التي يكنّها لها الناس، والطريقة الراقية التي تعاملت فيها مع كل ما قيل، حتى الأمور السلبية، بروح هادئة ورحبة صدر.وأضاف أنه لمس فيها قدرة نادرة على السير «بين الألغام» من دون أن تجرح أحدًا، معتبرًا أن هذه الميزة تحديدًا تجعل عودتها أكثر نضجًا.
وأكد أن العودة لا تحتاج إلى استحضار الماضي بقدر ما تحتاج إلى قرار واضح بالمضي قدمًا، قائلاً إن التاريخ حين يكون حاضرًا، يجب أن يُوظَّف بالشكل الصحيح، لأن إلين خلف تستحق الاستمرار والبقاء، وتستحق أن تترك بصمتها من جديد، فالساحة لا تحتمل الفراغ، ولا أحد يرغب في غياب صوت يشبهها.وفي حديثه عن البدايات، لا ينكر فارس أنّ اسم والده الفنان محمد إسكندر ساعده في المراحل الأولى، خصوصًا أنّه بدأ كشاعر غنائي في وقت لم يكن فيه الضوء مسلّطًا على كتّاب الكلمات. لكنّه يؤكّد أنّ الأغنيات التي قدّمها لوالده شكّلت نقطة التحوّل التي دفعت الناس للبحث عنه، ليبدأ بعدها بتثبيت اسمه بهويته الخاصة.ويرى فارس أنّ مسيرته كلّها قامت على الصدفة أكثر من التخطيط، حتى أنّه لم يكن يتخيّل يومًا أن يصبح فنانًا بهذا الشكل، معتبرًا أنّ الحياة كثيرًا ما تأخذ الإنسان إلى أماكن لم يكن يخطّط لها.وفي سياق حديثه عن الفنانين الشباب، شدّد فارس إسكندر على أن العلاقة التي تجمعه بالوليد ومحمد فضل شاكر قائمة على الصداقة الحقيقية، مؤكدًا أنهم يلتقون كثيرًا ويقضون أوقات مليئة بالضحك والمزاح، بعيدًا عن أي تنافس أو حساسيات.
واعتبر أن المقارنات التي تُطرح أحيانًا ما هي إلا «أسئلة فخ»، لأن كل فنان يمتلك لونه الخاص، وكل واحد منهم بارع في مجاله بطريقته.وأشار فارس إلى أن الثلاثة انطلقوا في بداياتهم من نقطة واحدة، إذ حمل كل منهم اسم عائلته في المراحل الأولى، مستفيدين من حضور الأهل وتجربتهم، إلا أن الأهم بالنسبة له كان القدرة لاحقًا على إثبات الذات بالاسم الشخصي، وهو ما تحقق مع الوقت، حيث استطاع كل فنان أن يرسّخ حضوره باسمه وهويته الخاصة.وعن إمكانية توجيه نصيحة للوليد، أوضح فارس أنه لا يرى نفسه في موقع تقديم النصائح، معتبرًا أن ما تلقّاه من والده يكفيه، لكنه عبّر في المقابل عن تمنياته الصادقة له، متمنيًا أن يواصل مسيرته بخطى ثابتة، وأن يحميه الله ويرافقه الحظ، لأن مشوار الفن، كما وصفه، طريق صعب مليء بالتحديات.أما عن محمد فضل شاكر، فتوقّف فارس عند العلاقة العميقة التي تجمعه بوالده فضل شاكر، معتبرًا أن وجود هذا الامتداد الإنساني والفني يمنح محمد خصوصية كبيرة، وقال إن نصيحته له اليوم لا يمكن أن تكون بصناعة هوية جديدة بالكامل، لأن ذلك غير ممكن في المرحلة الحالية، لكنه شدّد في المقابل على ضرورة البحث عن عناصر تميّزه بعيدًا عن المقارنة المباشرة، من خلال اختيار مواضيع مختلفة، أو كلمات تحمل حساسية خاصة، من دون تغيير جذري في اللون الغنائي.
وأضاف أن محمد يمتلك إحساسًا عاليًا ومرهفًا، وأن هذا الأمر ينعكس بوضوح في أدائه، خصوصًا حين يكون الجمهور مشتاقًا له، وحين يخرج الغناء من وجع حقيقي وتجربة صادقة، فيتحوّل الألم إلى إحساس فائض يُترجم في الأغاني، ويصل إلى الناس بصدق وعفوية.، معتبرًا أنّ كل فنان خرج من بيت فني بدأ باسم أهله، لكنه استمرّ باسمه الخاص. ويؤكّد أنّ لكلّ تجربة لونها ومسارها المختلف، وأنّ الاستمرارية لا تُمنح بل تُنتزع بالعمل.أما عن السياسة، فيعبّر فارس بوضوح عن موقفه الرافض لزجّ الفنان في هذا المستنقع، معتبرًا أنّ السياسة لطالما كانت فخًا يدمّر نجومية الفنان ويضعه في موقع الانقسام. فالفنان بطبيعته عاطفي، وقد تجرّه لحظة انفعال إلى تصريح يطارده عمرًا كاملًا، خصوصًا في زمن السوشيال ميديا حيث لا يُنسى شيء.
ويتحدّث عن التحوّل الكبير في عمر الأغنية، مشيرًا إلى أنّ الأغاني ذات المعاني العميقة لم تعد تعيش طويلًا كما في السابق، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن الإنسان المعاصر فقد القدرة على التركيز. الهاتف يسرق الانتباه، وتعدّد المنصّات جعل المتلقي غير قادر على التفرّغ للأغنية كما كان يفعل سابقًا. الجيل الجديد يبحث عن البساطة، عن الغموض المحفّز، عن الجملة التي تشبه “الأحجية”، لا عن السرد الواضح.وفي رأيه، لا يجب على الفنان أن يلاحق الترند على حساب هويته، بل أن يراقب السوق بوعي، ويعرف لماذا ينجح شيء ويفشل آخر، من دون أن يفقد لونه الخاص. فالفنان الذي يصفّق لنفسه وحده لن يصل، لكن من يعمل ليشبه غيره يخسر أكثر.وعن التقليد، ينتقد فارس إسكندر محاولات بعض الفنانين التخلي عن تاريخهم لإرضاء الموضة، معتبرًا أنّ لكل فنان وزنه وجمهوره، وأنّ محاولة تقليد جيل آخر تؤدي إلى خسارة الاثنين معًا.
ويتوقّف أيضًا عند مفهوم الكاريزما، مؤكدًا أنّها هبة إلهية لا تُصنع، فإما أن يكون الفنان قريبًا من الناس أو لا يكون، مهما امتلك من أدوات.وفي الجانب الإنساني، تحدّث فارس إسكندر عن خيبات الصداقة، معتبرًا أنّ الخيانة أكثر ما تؤلم حين تكون التوقّعات عالية، لكنه في الوقت نفسه يرفض لعب دور الضحية، مؤمنًا بأن الحياة تُعاش بالمواجهة لا بالندب.أما العائلة، فتمثّل بالنسبة له الثبات الحقيقي. زوجته هبة ليست فقط شريكة حياة، بل رفيقة درب سبقت الزواج بفترة طويلة من الصداقة والحب والصبر. ومن هذا الزواج وُلدت ابنته “روح”، الاسم الذي اختاره لأنها تمثّل بالنسبة له جوهر الحياة، والسبب الذي أعاد ترتيب أولوياته كلّها.هكذا مرّت الحلقة، بلا استعراض، بلا أقنعة، وبكثير من الصراحة. فارس إسكندر لم يقدّم نفسه كنجم متعالٍ، بل كفنان يعيش زمنه، يراقب تحوّلاته، ويتعامل معها بوعي وتجربة، محافظًا على بصمته الخاصة في مشهد فني سريع التغيّر، لا ينجو فيه إلا من يعرف نفسه جيدًا.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









