عاد الجدل حول الإرث الغنائي العربي إلى الواجهة مجددًا، وهذه المرة من بوابة أغنية لست قلبي التي قدّمها العندليب الأسمر الراحل عبد الحليم حافظ عام 1966، بعدما قام أحد مطربي دار الأوبرا المصرية بتقديم نسخة معدّلة من كلماتها خلال حفل إحياء الذكرى السنوية لرحيل العندليب، ما فتح بابًا واسعًا من النقاش داخل الأوساط الفنية والثقافية وبين الجمهور على حد سواء، بين من اعتبر الخطوة اجتهادًا فنّيًا مشروعًا، ومن رأى فيها مساسًا بعمل يُعدّ جزءًا من الذاكرة الفنية العربية.الجدل تصاعد سريعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من المثقفين والنقاد عن رفضهم لتغيير كلمات عمل فني يحمل قيمة تاريخية وفنية كبيرة.
وكان من أبرز المنتقدين الكاتب خالد منتصر الذي عبّر عن استيائه عبر منشور على موقع “فيسبوك”، معتبرًا أن تعديل كلمات أغنية في مناسبة هدفها تكريم عبد الحليم حافظ يُعدّ خروجًا عن روح الاحتفال بتراثه، مشيرًا إلى أن الاحتفالية كان يفترض أن تكرّس لإحياء الفن كما هو، لا لإعادة صياغته، على حد تعبيره، مضيفًا أن ما حدث حوّل الأمسية من تكريم فني إلى ما يشبه الطقس الإنشادي.في المقابل، قدّم الناقد الفني طارق الشناوي رواية مختلفة للأزمة، نافياً ما تم تداوله حول أن عبد الحليم حافظ نفسه سبق أن غيّر كلمات الأغنية، مؤكدًا أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة.
وأوضح أن جذور القضية تعود إلى سنوات سابقة، عندما اعترض الشيخ محمد الغزالي في برنامج إذاعي على أحد مقاطع الأغنية، وتحديدًا وصف القدر بـ”الأحمق”، معتبرًا أن هذا الوصف لا يليق عقائديًا، وهو ما فتح باب النقاش حينها حول المعنى المقصود في النص الشعري الذي كتبه الشاعر كامل الشناوي، حيث رأى كثيرون أن المقصود كان مجازيًا وشعريًا وليس إساءة لمفهوم القدر.
ومع تصاعد الجدل مؤخرًا، أصدرت أسرة عبد الحليم حافظ بيانًا رسميًا وضعت فيه حدًا للتأويلات، مؤكدة أنها لا تشعر بالاستياء من تعديل بعض كلمات الأغنية في حفل الأوبرا، موضحة أن المطرب الذي قدّم الأغنية، سواء كان أحمد عفت أو محمد حسن، فهما مطربان محترمان، وأن النية – بحسب البيان – كانت طيبة ولا تحمل أي إساءة لتراث العندليب، بل هي وجهة نظر فنية قابلة للنقاش.وأضافت الأسرة في بيانها أن عبد الحليم حافظ نفسه، لو كان على قيد الحياة، ربما كان سيجري تعديلًا على بعض الكلمات، في إشارة إلى أن الأعمال الفنية ليست نصوصًا مقدسة بقدر ما هي نصوص قابلة لإعادة القراءة وفق تغير الزمن والثقافة.اللافت أن أرشيف الصحافة المصرية يوثّق بالفعل أن الإذاعة المصرية اتخذت قرارًا عام 1977، أي بعد 11 عامًا من صدور الأغنية، بحذف المقطع الذي أثار الجدل، استجابةً للاعتراضات التي أثيرت حينها حول دلالات بعض الكلمات، ما يعني أن الجدل حول الأغنية ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لنقاش قديم يتجدد كلما عادت الأغنية إلى الواجهة.
وهكذا، تعود أغنية “لست قلبي” إلى دائرة الضوء لا كعمل فني خالد فحسب، بل كنموذج حيّ للصراع الأزلي بين الحفاظ على التراث كما هو، وبين إعادة تقديمه برؤية معاصرة، وهو نقاش لا يبدو أنه سيحسم قريبًا، طالما بقيت الأعمال الفنية الكبرى حاضرة في الذاكرة، وقابلة لإعادة الاكتشاف مع كل جيل جديد.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









