لم تكن إطلالة القيصر كاظم الساهر في أحدث حلقات برنامج “ABtalks” مع الإعلامي أنس بوخش مجرد مقابلة عابرة يستعيد خلالها محطات من مسيرته الفنية الطويلة، بل بدت أقرب إلى جلسة اعترافات إنسانية عميقة، كشف فيها “قيصر الأغنية العربية” وجهاً مختلفاً من شخصيته؛ وجهاً مثقلاً بالتعب، مشبعاً بالحنين، ومحمّلاً بأسئلة الحياة والفقد والوحدة والشهرة.في حديث اتّسم بالهدوء والصدق، بدا كاظم الساهر وكأنه يفتح دفاتر عمره للمرة الأولى بهذه الصراحة، متنقلاً بين طفولته القاسية، وندمه العاطفي، وخساراته الشخصية، وصولاً إلى نظرته الحالية للحياة والفن والموت.
ومن بين أكثر اللحظات تأثيراً في اللقاء، حديثه عن زيارته للسيدة فيروز، اللقاء الذي وصفه بأنه ترك داخله ألماً عميقاً، رغم أنه كان حلماً شخصياً بالنسبة إليه.وقال الساهر إن عشقه الكبير للسيدة فيروز وأغانيها دفعه إلى زيارتها، لكنه خرج من اللقاء “متأذياً”، بعدما لمس حجم العزلة والقيود التي تفرضها الشهرة على الفنان الحقيقي.
لم يكن يتحدث عن لقاء عابر مع أسطورة الغناء العربي، بل عن صدمة إنسانية جعلته يعيد التفكير بمعنى النجومية نفسها.وأوضح أن الفنان، مهما بلغ من المجد والنجاح، يبقى “حبيس شهرته”، عاجزاً أحياناً عن عيش حياته بصورة طبيعية، مضيفاً أنه شعر بأن فيروز لم تعش حياة تشبه حياة الناس العاديين، وهو ما ترك في داخله أثراً مؤلماً.
هذا التصريح فتح باباً واسعاً على الجانب الأكثر حساسية في حياة النجوم؛ ذلك الثمن الخفي الذي لا يظهر على المسرح ولا تلتقطه الكاميرات، حيث تتحول الشهرة مع الوقت إلى مساحة ضيقة من العزلة والمراقبة الدائمة.كاظم الساهر، الذي لطالما ارتبط اسمه بالرومانسية والقصائد الحالمة، بدا هذه المرة أكثر واقعية ومرارة، خصوصاً حين تحدث عن حياته الخاصة وعلاقته بأم أولاده الراحلة، معترفاً بأنه لا يزال يشعر بالذنب تجاه فشل زواجهما.
وبصوت بدا مثقلاً بالخسارة، كشف أن وفاة زوجته السابقة تركت داخله كسراً لم يلتئم حتى اليوم، مؤكداً أن الفقد لا يمكن تجاوزه كما يعتقد البعض، بل يرافق الإنسان بصمت لسنوات طويلة.واعترف القيصر كاظم الساهر بأن هذه التجربة جعلته يحسم موقفه نهائياً من فكرة الزواج مجدداً، قائلاً إنه اختار العيش وحيداً بحثاً عن السلام النفسي والهدوء الداخلي، في قرار يعكس تحوّلاً واضحاً في نظرته للحياة والعلاقات.
ولم يتردد كاظم الساهر في تقديم قراءة قاسية لطبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة، معتبراً أن الرجال غالباً ما يكونون سبباً في خسارة النساء العظيمات، في تصريح أثار تفاعلاً واسعاً بسبب صراحته غير المعتادة.وفي سياق آخر، كشف كاظم الساهر عن تفاصيل مؤثرة من طفولته الصعبة، مؤكداً أنه “خُلق من المأساة”، في إشارة إلى البيئة الفقيرة التي نشأ فيها، والتي صنعت شخصيته الفنية والإنسانية لاحقاً.
وروى كيف اضطر إلى العمل منذ سن العاشرة لمساعدة أسرته، مستعيداً تفاصيل مؤلمة من طفولة لم تعرف الرفاهية، بل امتلأت بالتحديات اليومية والمسؤوليات المبكرة.ومن أكثر القصص الإنسانية التي استوقفت الجمهور، حديثه عن والده الذي صدر بحقه حكم بالإعدام ظلماً في العراق، قبل أن تنجح والدته بإنقاذه بعد أن أوقفت موكب ملك العراق وقدمت له شكوى مباشرة، ليصدر لاحقاً قرار بالعفو عنه.
هذه الحادثة، بحسب كاظم الساهر، شكّلت نقطة مفصلية في حياته، ورسخت داخله صورة والدته بوصفها رمزاً للقوة والتضحية، حتى أنه وصفها بكلمة واحدة قائلاً: “أمي جنة”.وعلى الرغم من كل هذا الثقل الإنساني، لم يغب الفن عن حديث القيصر، إذ كشف تفاصيل جديدة حول ألبومه العراقي المنتظر، مؤكداً أن العمل كان من المفترض أن يُطرح في وقت سابق، إلا أن الظروف السياسية والحرب في المنطقة دفعت الشركة المنتجة إلى تأجيله.
وأشار إلى أنه سلّم الألبوم بالكامل، لكنه رفض أن يترك الجمهور في حالة انتظار طويلة، فاقترح إصدار الأغنيات بشكل تدريجي كل بضعة أسابيع، وهي الخطة التي بدأ تنفيذها بالفعل مع طرح أغنيات مثل “إلا أجيبك” و”كتاب الحزن”.كما كشف أن فريقه يعمل حالياً على تصوير أغنية جديدة تحمل طابعاً درامياً مختلفاً عن الأعمال السابقة، في خطوة تؤكد أن الساهر لا يزال يراهن على التجديد الفني رغم مسيرته الطويلة.
وفي مقابلته، لمّح أيضاً إلى فكرة “الجولة الأخيرة”، معترفاً بأنه لم يكن متحمساً للقيام بجولات فنية جديدة، قبل أن يوافق عليها لاحقاً، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بين جمهوره حول إمكانية اقترابه من إنهاء رحلته الغنائية.لكن ربما كان التصريح الأكثر وقعاً هو حديثه عن أمنيته بالموت على المسرح، مع “صرخة الغناء الأخيرة”، وهي العبارة التي اختزلت علاقة كاظم الساهر الاستثنائية بالفن، ذلك الفن الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل قدراً كاملاً عاشه بكل ما فيه من نجاح وألم ووحدة.
ورغم سنوات المجد الطويلة، بدا كاظم الساهر في هذه المقابلة أكثر هشاشة وإنسانية من أي وقت مضى؛ فناناً يتأمل حياته بهدوء، ويعيد قراءة خساراته بصراحة نادرة، ويكشف أن خلف صورة “القيصر” يقف رجل دفع أثماناً باهظة كي يبقى واقفاً على المسرح حتى اليوم.ومع كل أغنية جديدة يطرحها، يبدو أن كاظم الساهر لا يحاول فقط تقديم عمل فني جديد، بل يسعى أيضاً إلى إعادة اكتشاف نفسه، وإثبات أن المشروع الموسيقي الذي بناه طوال عقود لم يصل بعد إلى نهايته، وأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن المغامرة مهما أثقلته السنوات والتجارب.

يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









