في مقابلة استثنائية حملت الكثير من الصدق والوجع والاعترافات الإنسانية، أطلت الفنانة اللبنانية ألين خلف في حديث مطوّل مع الإعلامي محمد قيس في عندي سؤال على المشهد، لتروي للمرة الأولى تفاصيل دقيقة من حياتها الشخصية والفنية، في حوار بدا أقرب إلى جلسة مصارحة مع الذات، أكثر منه لقاءً إعلاميًا تقليديًا.منذ اللحظة الأولى، بدت ألين خلف حاضرة بابتسامتها المعهودة، إلا أن محمد قيس سرعان ما سألها: “وراء هالضحكة شو في؟”، لتجيب من دون تردد: “في ظلم… في تعب… في ليالي معذّبة”. اعتراف اختصر سنوات طويلة من الصمت، وحمل بين كلماته ثقل رحلة لم تكن سهلة منذ الطفولة.تعود ألين بذاكرتها إلى نشأتها خلال الحـ ـرب في لبنان، حيث تربّت في كنف جدّها وجدّتها وخالاتها، في بيت عاش كل الحروب التي مرّ بها البلد.
تصف تلك المرحلة بأنها جمعت بين الحلو والمرّ، مؤكدة أن الظروف القاسية لم تكسرها، لكنها سرقت منها طفولتها مبكرًا. فبين الفقر، والمسؤولية، وغياب الاستقرار، وجدت نفسها مضطرة للعمل في سن صغيرة لمساندة والدتها وتأمين احتياجات المنزل.وتكشف أنها بدأت الغناء منذ عمر 8 سنوات، بعدما دفعتها العائلة للمشاركة في برنامج على تلفزيون لبنان، ضمن دفعة ضمّت أسماء أصبحت لاحقًا من كبار النجوم، من بينهم شمس الأغنية اللبنانية نجوى كرم والنجم معين شريف. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلتها الحقيقية مع الغناء، متنقلة بين المطاعم والمقاهي، برفقة والدتها أحيانًا ووالدها أحيانًا أخرى، في زمن كان الفن فيه يعتمد على الصوت لا على الصورة.عن وضع العائلة المادي، تتحدث ألين بصراحة مؤثرة، مؤكدة أنهم عاشوا حرمانًا حقيقيًا، وأن هناك أيامًا لم يكن فيها ما يُؤكل في المنزل، لكنها لم تشعر يومًا بالنقص، لأن “العين كانت شبعانة”. وتقول إنها كانت تفكر دائمًا كيف يمكنها مساعدة والدتها، معتبرة أن تحمّل المسؤولية كان فرضًا لا خيارًا.
محطة مفصلية في مسيرتها كانت عندما غنّت للمرة الأولى مع الراحل الموسيقار ملحم بركات، بعد اختبارات طويلة لصوتها، قبل أن يقتنع بها ويمنحها الفرصة. بعدها، بدأت خطواتها تتسارع، إلى أن تعرّفت في سن الخامسة عشرة على جيجي لمارا، لتبدأ مرحلة النجومية الفعلية التي استمرت أكثر من 12 عامًا، صنعت خلالها اسم ألين خلف كواحدة من أبرز نجمات التسعينيات وبداية الألفية.وتستعيد ألين تلك المرحلة باعتبارها “أيام العز”، حيث قدّمت أعمالًا شكّلت بصمتها الخاصة، من “يا صبابين الشاي”، إلى “خلتني أحبك”، و“يا حلاق اعمل لي غرّة”، وغيرها من الأغنيات التي ثبّتت هويتها الفنية، خاصة بعدما قررت الاتجاه إلى إحياء الأغنيات القديمة، في وقت لم تكن فيه الألحان الجديدة تُمنح لها بسهولة.وفي سياق الحديث عن الأغاني، كشفت ألين خلف عن واحدة من أكثر النقاط حساسية في مسيرتها، مؤكدة أن ألبوم “شخبط شخابيط” كان في الأساس مشروعًا خاصًا بها، لكنه لم يُنفّذ باسمها نتيجة انفصالها المهني في تلك المرحلة عن جيجي لمارا، ليُطرح لاحقًا بصوت نانسي عجرم.
كما أوضحت أن أغنيات أخرى مثل “عبالي حبيبي” كانت مطروحة لها قبل أن تُقدَّم لاحقًا بصوت إليسا، في ظروف إنتاجية خارجة عن إرادتها.وتحرص ألين في حديثها على الإشارة إلى أنها لا تحمل أي عداوة شخصية تجاه أي فنانة، مؤكدة احترامها لنانسي عجرم وإليسا، ومشددة على أن ما حدث كان نتيجة قرارات إنتاجية لا أكثر، لكنها في المقابل لا تُنكر أن تلك المرحلة خسرتها الكثير على المستوى الفني، قائلة: “خسرت حالي… وهيدي أكبر خسارة”.
وتتوقف ألين عند الجانب العاطفي من حياتها، معتبرة أن الحب كان من أكثر المحطات التي أنهكتها، وأن اختياراتها العاطفية أثّرت على مسارها الفني، إلى أن دخلت مرحلة الزواج والأمومة، التي وصفتها بالأجمل في حياتها، قبل أن تتعرض لاحقًا لصدمة الانفصال، وما رافقها من ضغط نفسي وانهيار صحي، وصل إلى فقدان صوتها لفترة طويلة.ورغم كل ما مرت به، تؤكد ألين خلف أنها لم تفقد إيمانها بنفسها ولا بمحبة الناس، معبرة عن اشتياقها للوقوف مجددًا على المسرح، وتقديم عمل يليق بتاريخها واسمها، بعيدًا عن أي استعجال أو تنازل. وتقول بوضوح: “ما بدي ارجع بأي شي… بدي ارجع بالين خلف”.
وفي حديثها عن الأصوات والأعمال الغنائية الحالية، كشفت ألين خلف عن متابعتها لبعض الإصدارات الجديدة على الساحة الفنية، مؤكدة أن عدداً من الأغاني لفت انتباهها في الفترة الأخيرة. وتوقفت عند النجم ناصيف زيتون، مشيدة بأغنيته «كزّدورة»، معتبرة أنها عمل بسيط وقريب من الناس، يعكس الحنين إلى أجواء الضيعة والطفولة، ويعتمد على كلمات صادقة وإحساس عفوي يلامس المستمع من دون تكلّف.كما عبّرت عن إعجابها بأغنية «بدنا نروق» للديفا هيفاء وهبي، واصفة إياها بالأغنية الخفيفة التي تمنح الجمهور مساحة للفرح والراحة، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية، مشيرة إلى أن هذا النوع من الأعمال بات مطلوباً اليوم، لأنه يعيد البسمة ويخفف من ثقل المرحلة.أما عن الأصوات الشابة، فخصّت النجم الشامي بإشادة واضحة، معتبرة أنه استطاع أن يصنع لنفسه هوية خاصة من خلال أسلوبه المختلف ولهجته المميزة، لافتة إلى أن التجارب القاسية التي مرّ بها في طفولته انعكست قوة في الإحساس، لأن الألم والحرمان – على حد تعبيرها – غالباً ما يصنعان فناناً حقيقياً يعرف كيف يصل إلى قلوب الناس.وفي ختام المقابلة، وعندما سألها محمد قيس عن العنوان الذي تختاره لحياتها، أجابت بثبات: “الكفاح، النضال، الثبات، والاستمرارية”، مضيفة رسالة مؤثرة إلى نفسها الصغيرة: “خلي قلبك أبيض… بس ما تخلي الحياة تهزمك”.
بهذا الظهور الصادق، تعيد ألين خلف فتح دفتر الذاكرة أمام جمهور اشتاق إليها طويلًا، مؤكدة أن الغياب لم يكن اختيارًا، بل نتيجة مسار مليء بالتجارب القاسية، وأن العودة، إن حصلت، ستكون من القلب… وبالصوت الذي ما زال يسكن ذاكرة جيل كامل.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









