لم تكن المقبرة التي اكتشفتها بعثة أثرية في واحة الداخلة المصرية مجرد مدفن يعود إلى العصر الروماني، بل حملت بين جدرانها رسالة شخصية نادرة من الماضي. فقد عثر الباحثون على قصيدة من 19 سطراً باللغة اليونانية القديمة، يُرجح أنها كُتبت على لسان ابن لرثاء والده، إلى جانب نصوص هيروغليفية ذات طابع ديني تهدف إلى حماية المتوفى.
وتقع المقبرة بالقرب من مدينة موثيس القديمة في منطقة موط الحالية، وقد شُيدت قبل نحو 1700 عام، خلال القرن الرابع الميلادي، عندما كانت مصر جزءاً من الإمبراطورية الرومانية. وتشير المعطيات إلى أنها بُنيت لزوج وزوجته، وكان الزوج بيسيختيس يُرجح أنه عمل قاضياً.
ويمنح النقش اليوناني أهمية خاصة للاكتشاف، إذ لم يكن مجرد نص جنائزي تقليدي، بل جاء في صورة قصيدة ذات مستوى أدبي مرتفع. وقال الباحث أنجيلوس خانيوتيس إن لغة القصيدة وقواعدها تتشابه مع لغة ملاحم هوميروس، واصفاً النص بأنه “أدبي وأصيل للغاية”.
وتتحدث المرثية عن صفات بيسيختيس، مشيدة بلطفه وحكمته ودوره في تقديم النصح خلال حياته. لكن أكثر أجزاء القصيدة تأثيراً يأتي في نهايتها، حيث يخاطب ابنه سارابيون والده مباشرة، طالباً منه قبول السكائب الجنائزية والقرابين التي يقدمها أبناؤه حزناً على وفاته.
كما يحمل النقش مؤشرات على المستوى الثقافي لمؤلفه، إذ استخدم الكاتب علامات تشكيل ونبرات في النص اليوناني، وهي تفاصيل لافتة في نقش جنائزي من تلك الفترة.
وفي الجانب الآخر من المقبرة، ظهرت طبقة مختلفة تماماً من الموروث الديني المصري. فقد تضمنت الجدران نقوشاً هيروغليفية وتعاويذ لحماية المتوفى، بعضها مرتبط بكتاب “الإمدوات”، الذي يروي رحلة إله الشمس عبر العالم السفلي.
وعثر الفريق أيضاً على مائدة للقرابين وحوض للتطهير وأوانٍ فخارية، إلى جانب عملة واحدة على الأقل تحمل صورة الإمبراطور قسطنطين العظيم، الذي حكم الإمبراطورية الرومانية بين عامي 306 و337 ميلادية.
ويؤدي سلم مؤلف من 14 درجة إلى مدخل المقبرة، الذي زُين برموز مصرية بينها قرص الشمس المجنح وأوزيريس وثعبانا كوبرا. ورغم الفترة التي حكم فيها قسطنطين، الذي ارتبط اسمه باعتناق المسيحية وإضفاء الشرعية عليها، لم تظهر في المقبرة زخارف أو نصوص مسيحية واضحة.
وتشير وزارة السياحة والآثار المصرية إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة لاحقاً، إذ عُثر على مقصورة من الطوب اللبن شُيدت فوق مدخلها بعد دفن بيسيختيس وزوجته، ما يضيف طبقة جديدة إلى تاريخ الموقع واستخدامه عبر العصور.


يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









