يرتبط استكشاف الفضاء، بطبيعته، بالصبر وانتظار اللحظة المناسبة. فالكون لا يتحرك وفق إيقاع الزمن الأرضي، بل تحكمه قوانين فيزيائية صارمة تجعل التقدم فيه بطيئاً ومتدرجاً.
ولهذا، كثيراً ما تُعلن مشاريع كبرى، ثم تؤجَّل، قبل أن تعود إلى الواجهة مجدداً. ومع دخول عام 2026، يبدو أن سنوات الانتظار الطويلة في عالم الفضاء قد تقترب من لحظة المكافأة.
بعد أكثر من نصف قرن على آخر مرة غادر فيها البشر مدار الأرض المنخفض ودخلوا في رحلة حول القمر، تستعد وكالة «ناسا» لإعادة إرسال رواد فضاء إلى جوار أقرب جار سماوي لنا.
فمنذ رحلة «أبولو 8» عام 1968، ركّزت برامج الفضاء المأهولة على المكوكات الفضائية ومحطات الفضاء الدولية، من دون تجاوز حدود المدار الأرضي القريب.
في مطلع عام 2026، من المنتظر أن تنطلق مهمة «أرتميس 2»، في رحلة ذهاب وإياب حول القمر تستمر عشرة أيام. ويضم الطاقم أربعة رواد فضاء من «ناسا» ووكالة الفضاء الكندية: فيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان، وكريستينا كوتش. وتحمل المهمة دلالات رمزية مهمة، إذ يُتوقع أن يصبح غلوفر أول شخص أسود البشرة يصل إلى محيط القمر، وكوتش أول امرأة، فيما سيكون هانسن أول كندي وأول رائد فضاء غير أميركي يحقق هذا الإنجاز.
وستختلف «أرتميس 2» كثيراً عن رحلات «أبولو» التاريخية، سواء من حيث التكنولوجيا أو الأهداف. فإذا أُنجزت المهمة بنجاح، وأثبتت كبسولة «أوريون» قدرتها على نقل الرواد بأمان إلى القمر والعودة، فسيشكل ذلك خطوة أساسية نحو بناء بنية تحتية قمرية دائمة، وقد يحدث الإطلاق في وقت مبكر من العام، ربما في فبراير.
غير أن الهبوط الفعلي على سطح القمر يبقى التحدي الأكبر. فالصين أعلنت بوضوح عزمها إنزال رواد فضاء على القمر قبل عام 2030، وقد بدأت بالفعل اختبار مركبة الهبوط القمرية «لانيو» في مهمة تشبه إلى حد كبير برنامج «أبولو» الأميركي.
في المقابل، وضعت «ناسا» خطة أكثر تعقيداً عبر مهمة «أرتميس 3»، التي تعتمد على مركبة «ستارشيب» العملاقة التي تطورها شركة «سبيس إكس».
وتهدف هذه المهمة إلى إنزال رائدَي فضاء قرب القطب الجنوبي للقمر، وهو موقع يُعتقد أنه غني بالجليد المائي. إلا أن الصعوبات التقنية التي واجهتها «ستارشيب» في اختبارات عام 2024 أثارت شكوكاً حول الالتزام بالجدول الزمني.
ومع طلب «ناسا» مقترحات بديلة، وتحديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عام 2028 موعداً مستهدفاً للهبوط، أصبح عام 2026 حاسماً.
إذ قد يحدد نجاح أو فشل اختبارات «ستارشيب» أو مهمة «بلو أوريجين» الآلية «بلو مون» ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسبق الصين مجدداً إلى القمر.
وبعيداً عن الرحلات المأهولة، يشهد علم الفلك بدوره طفرة كبرى. فقد بدأ مرصد «فيرا سي. روبين» في تشيلي عمله التجريبي عام 2025، على أن يبدأ مسحه الرسمي للسماء والزمن مطلع 2026.
ومن المتوقع أن يلتقط المرصد آلاف الصور للسماء الجنوبية كل ليلة، ما سيوفر بيانات غير مسبوقة حول تطور الكون، والثقوب السوداء، والكويكبات، والطاقة والمادة المظلمتين.
كما تستعد «ناسا» لإطلاق «تلسكوب رومان الفضائي» خلال الفترة المقبلة، والذي سيستخدم الأشعة تحت الحمراء لرسم خرائط لمليارات المجرات، والمساهمة في فهم أعمق للطاقة المظلمة، إضافة إلى البحث عن كواكب خارجية قد تكون صالحة للحياة.
أما على صعيد استكشاف المريخ، فتبرز اليابان كمنافس محتمل، عبر مهمة «استكشاف أقمار المريخ» (MMX)، التي تهدف إلى الهبوط على قمر المريخ «فوبوس» وجمع عينات منه.
وقد يساعد ذلك في حل لغز أصل أقمار المريخ، في خطوة قد تسبق الولايات المتحدة والصين في هذا المجال الدقيق.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









