بمناسية عيد العمّال، لا بدّ من إلقاء الضوء على سوق العمل اليوم الذي يرزح تحت ثقل كبير يتمثّل بتحول جذري في سياق التطورات التكنولوجية السريعة، ولا شكّ أنّ الذكاء الاصطناعي (AI) هو في صلب التطورات التي بدأت تأخذ مكانة كبيرة في مختلف المجالات والقطاعات. في الماضي، كانت المكننة الحديثة تهدد اليد العاملة في قطاعات معينة مثل الصناعة، إذ استُبدلت الأيدي العاملة بالآلات، مما أدى إلى فقدان العديد من العمال لوظائفهم. ولكن اليوم، نجد أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لتحسين الإنتاجية، بل هو عامل رئيسي في تغيير بنية العمل بشكل جذري. كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل العمالة البشرية في عالم يشهد تطورًا تكنولوجيًا سريعًا؟
ومن أبرز القضايا التي يثيرها الذكاء الاصطناعي هي تأثيره على الوظائف التقليدية. فمع القدرة المتزايدة للذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام التي كان يؤديها البشر، مثل الرد على استفسارات العملاء أو معالجة البيانات، باتت العديد من الوظائف التي تعتمد على مهارات روتينية مهددة بالاختفاء. ففي القطاع الصناعي على سبيل المثال، أصبح من الشائع استخدام الروبوتات في عمليات الإنتاج، مما يقلل من الحاجة إلى العمالة البشرية. فمع دخول الآلة إلى سوق العمل في المراحل الأولى من الثورة الصناعية، كانت الأيدي العاملة هي التي تُعتبر القوة الأساسية للإنتاج. لكن مع مرور الوقت، أصبحت الآلات تحل محل الإنسان في العديد من القطاعات، فبدأت الآلات بأداء المهام الميكانيكية الثقيلة التي كانت تتطلب مجهودًا بدنيًا من الإنسان. واليوم، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة، أصبحت الآلات قادرة على أداء المهام الذهنية أيضًا، مثل تحليل البيانات واتخاذ القرارات المعقدة.
في هذا الإطار، تشير دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي نشرت منذ سنتين بمناسبة عيد العمّال إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى اضطرابات كبيرة في سوق العمل، مع تأثير خاص على الوظائف الكتابية والإدارية. بحلول السنوات الخمس المقبلة، قد تختفي نحو 26 مليون وظيفة بسبب الأتمتة. ومع ذلك، ستنمو وظائف جديدة في مجالات مثل الأمن السيبراني وتحليلات البيانات. تقرير “غولدمان ساكس” توقع أتمتة 300 مليون وظيفة عالميًا، مع تأثير أكبر في الاقتصادات المتقدمة. على الرغم من المخاوف، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الإنتاجية على المدى الطويل.
مع ذلك، هذا لا يعني أنّ الذكاء الاصطناعي هو نقمة. فلا شكّ أنّه ساهم في ظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات متخصصة في البرمجة، تحليل البيانات، وتطوير الخوارزميات. وفي الواقع، أصبح هناك طلب متزايد على المهندسين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي لتطوير وصيانة هذه الأنظمة المتقدمة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين بيئة العمل وتقليل التهديدات الخطرة على الصحة، حيث يمكن استبدال العاملين في بيئات خطرة بأنظمة آلية. ولكن هذا التحول التكنولوجي لا يخلو من التحديات. فبينما تخلق التقنية فرصًا جديدة، فإنها أيضًا تزيد من فجوة المهارات بين الأفراد. فالفئات التي تمتلك مهارات قديمة في الأعمال اليدوية أو الوظائف الروتينية تجد نفسها مضطرة للتأقلم مع متطلبات جديدة تتطلب مهارات تكنولوجية معقدة. وهذا يضع ضغوطًا على الحكومات والمجتمعات لتطوير سياسات تعليمية تساعد على تمكين العمال من مواكبة هذا التحول.
وبالتالي، إن التحدي الأهم الذي يواجه سوق العمل في ظل الذكاء الاصطناعي هو تحقيق التوازن بين الإنسان والآلة. لا ينبغي أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل للبشر، بل كأداة يمكن أن تعزز قدرة الإنسان على الابتكار والإبداع. من خلال التدريب المستمر وتطوير المهارات، يمكن للبشر أن يظلوا في قلب العملية الاقتصادية، مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءاتهم وزيادة الإنتاجية. أي بكلماتٍ أخرى، من الضروري اعتماد استراتيجية شاملة تركز على تمكين الإنسان لا استبعاده. تبدأ هذه الاستراتيجية بالاستثمار في التعليم والتدريب المستمر، بحيث يتم تأهيل الأفراد لاكتساب المهارات التي يصعب على الذكاء الاصطناعي تقليدها، مثل الإبداع، التفكير النقدي، والذكاء العاطفي. إلى جانب ذلك، يجب التركيز على تعزيز الوظائف التي تحتاج إلى اللمسة الإنسانية كالرعاية الصحية والتعليم والفنون. كما أن سنّ تشريعات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي وتمنع استغلاله بطريقة تهدد حقوق العمال يُعد أمرًا بالغ الأهمية، فما فحوى الاحتفال بعيد العمّال دون الحفاظ على حقوقهم. الحل ليس في مقاومة التطور التكنولوجي، بل في ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للإنسان وشريكًا له، لا بديلاً عنه، وأن تكون العدالة الاجتماعية جزءًا أساسيًا من هذا التحول.
في الختام، يُظهر الذكاء الاصطناعي تأثيرات مزدوجة على سوق العمل فهو سيف ذو حدّين. بينما يهدد بعض الوظائف التقليدية، فإنه يفتح أيضًا مجالات جديدة للابتكار والنمو. في عيد العمال، يجب أن نتذكر أن التقدم التكنولوجي لا ينبغي أن يكون تهديدًا، بل فرصة لتعزيز قدرة الإنسان على التكيف والإبداع في مواجهة التحولات التي تطرأ على أسواق العمل. والآن، على أرض الواقع، في ظل هذا التحول التكنولوجي المتسارع، هل سنتمكن فعلاً من توجيه الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان بدلاً من أن يصبح بديلاً له؟ آملين ذلك، بمناسبة عيد العمال، نتمنى أن يستمر العمل الجاد والابتكار في تعزيز حقوق العمال وتوفير بيئة عمل أفضل للجميع، وأن نسعى إلى تحقيق عالم يزدهر فيه التعاون بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تظل اليد العاملة جزءاً أساسياً في بناء المجتمعات، وتُقدّر مساهماتها في كل المجالات. عيد عمّال سعيد، وأملنا أن يتواصل التقدم من أجل مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً لجميع العمال حول العالم.
المصدر: Info3
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









