تمكّن علماء آثار متخصصون في الميكروبات من الإجابة عن تساؤلات طالما شغلت الباحثين، أبرزها: لماذا استمر الطاعون لقرون؟ وهل وُجد الجذام المعروف أيضاً باسم مرض هانسن (HD) في الأميركتين قبل وصول الأوروبيين؟ نشرت مجلة “ساينس” دراستين حديثتين تسلطان الضوء على تطور هذين المرضين اللذين تركا بصمات عميقة في الذاكرة الجماعية للإنسانية.
في التفاصيل، ركزت الدراسة الأولى، التي أُجريت بالتعاون بين معهد “باستور” الفرنسي وجامعة “ماكماستر” الكندية، على تاريخ بكتيريا الطاعون الدبلي يرسينيا بيستيس. وتتبعت الدراسة هذه البكتيريا عبر ثلاث موجات طاعون رئيسية عرفها العالم خلال الألفي عام الماضية: “طاعون جستنيان” في العصور القديمة، و”الموت الأسود” في القرن الرابع عشر، والوباء الثالث الذي ظهر في آسيا في القرن التاسع عشر ولا يزال نشطاً في بعض المناطق حتى اليوم، خصوصاً في دول إفريقيا جنوب الصحراء.
في هذا الإطار، لاحظ الباحثون أن البكتيريا خضعت لتحوّلات وراثية أدّت إلى خفض ضراوتها عبر الزمن. ورغم أن هذا التراجع في الخطورة قد يبدو إيجابياً، فإنه ساعد البكتيريا في البقاء لفترات أطول داخل المجتمعات، ما زاد من فرص انتقال العدوى واستمرار الوباء.
و من خلال اختبارات مخبرية، ثبت أن عدوى الطاعون تدوم لفترة أطول عندما تكون البكتيريا أقل شدة. في هذا السياق، قال خافيير بيزارو-سيردا، وهو أحد المشاركين في الدراسة، إن هذا الفهم الجديد يفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة الأوبئة المستقبلية.
أما بالنسبة للدراسة الثانية، التي نفذت بالتعاون مع جامعة كولورادو، فبحثت في تاريخ الجذام في الأميركتين، واكتشفت أن أحد أنواع البكتيريا المسببة للمرض — المتفطرة الجذامية الورمية — كان موجوداً هناك منذ أكثر من 9 آلاف عام. وهذا ينسف الاعتقاد السائد بأن الأوروبيين كانوا أول من جلب الجذام إلى القارة.
في هذا السياق، أكّد نيكولا راسكوفان من معهد “باستور” أن هذا النوع من الجذام كان منتشراً على نطاق واسع في الأمريكيتين قبل الاستعمار، مشيراً إلى أن الاكتشاف يُعد خطوة مهمة لفهم تنوّع مسببات الجذام وتوجيه الجهود البحثية نحو أصوله الحقيقية، وتطوير سبل أفضل لمكافحته مستقبلاً.
ختاماً، تُبرز هاتان الدراستان أهمية الاستفادة من الأدلة الجينية القديمة لفهم تطور الأمراض وكيفية تكيّفها مع ظروف مختلفة عبر الزمن. فمعرفة أن الطاعون ظل قائماً بفضل تحوّلات وراثية تخفف من ضراوته، وأن الجذام كان موجوداً في الأميركتين قبل وصول الأوروبيين، يفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي ويساعد في تطوير استراتيجيات فعالة للوقاية والعلاج. بهذا، يصبح الماضي دليلاً مهماً لمواجهة تحديات الصحة العامة في المستقبل.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









