"خمسة ونص" رحلة إنتقام بطلها غمار الغانم بين أعدائه وضحاياه ضمن عمل جماهيري مكتمل العناصر الدرامية...

10:02
05-06-2019
أميرة عباس
"خمسة ونص" رحلة إنتقام بطلها غمار الغانم بين أعدائه وضحاياه ضمن عمل جماهيري مكتمل العناصر الدرامية...

"رحلةٌ نحو الأخذ بالثأر والإنتقام في ظل الجشع للسلطة"... هكذا يمكننا وصف مسلسل "خمسة ونص" الذي تمّ عرضه خلال الموسم الرمضاني لعام 2019، وكنّا بإنتظار عرض حلقته الأخيرة كي نتوقّف عند عناصره الدرامية مجتمعةً ورَصْد ما قدّمه هذا العمل وصنّاعه للجمهور العربي.

النص قائم على تيمة درامية عنوانها الإنتقام

"كيف تتصّرف في حال حُرمتَ من والدتك في صغرك بسبب ظلم والدك صاحب السلطة والنفوذ؟ وما هي تبعات هذا الماضي الأليم؟" حول هذه الإشكالية تطرح المؤلّفة إيمان سعيد قصة "خمسة ونص" حيث إختارت تيمة "الإنتقام" من الستة وثلاثين تيمة درامية التي يضعها الكاتب الفرنسي جورج بولتي لكتابة الفكرة الرئيسية للنص الدرامي، ونستطيع تقسيمها إلى تيمة "جريمة يتبعها الإنتقام "(بما أنّ والدة البطل نُحِرَت في صغره) أو ما يُعرف درامياً بعبارة Crime Pursued by Vengeance، وتيمة الإنتقام بين الأقارب Vengeance for Kin Upon Kin. في تفاصيل "الإنتقام" ضمن قصة خمسة ونص، نكتشف مع مرور الأحداث خلال الحلقات أنّ غمار الغانم (قصي خولي) يشعر بظلم كبير جرّاء ما قام به والده الغانم (رفيق علي أحمد) حين قتل زوجته الأولى (والدة غمار) بعدما زرعت سوزان (رولا حمادة) الشك في قلبه بأنّ زوجته تخونه، وبعدما فعل الغانم جريمته تمّ تلفيق الجريمة بأنّها إنتحار. هذه القصة لم تمت مع مرور الأيام بل كَبرَ غمار الصغير ووضع خطّة محبوكة ليعود إلى عائلة الغانم، صاحبة النفوذ، كي ينتقم لوالدته من والده على مبدأ أسطورة "عقدة أوديب". وفي الختام، عند تمام الساعة "الخامسة والنصف" تتنهي رحلة الإنتقام بعدما "يُعيد التاريخ نفسه" حيث يقوم غمار بقتل زوجته الخائنة عبر حادث سير مُدبّر ويحرِم إبنه من والدته أي تماماً كما فعل والده في الماضي.

التنوّع والمزيج بين الخطوط الدرامية مع طرح قضايا شائكة

بالتأكيد، لا يمكن لأي عمل درامي ناجح أن يرتكز على خط درامي واحد أوْحد لأنّ ذلك سيُشعر المُشاهِد بالملل، لذلك قدّمت مؤلفة "خمس ونص" إيمان سعيد عدّة خطوط درامية إلى جانب الفكرة الرئيسية لهذا المسلسل، وهذا ما تجسّد عبر طرح عدّة قضايا إجتماعية تُشكّل ظواهر وأزمات نعيشها في مجتمعنا خاصة انّ الدراما هي محاكاة للواقع بمعنى أنّها نقل الواقع حتى لو لم تُقدّم لنا هذه الأعمال الدرامية حلولاً، ومن القضايا التي طرحتها سعيد في العمل نذكر: الطمع والجشع بالسلطة، التوريث السياسي، الفساد بكل أشكاله: السياسي، الإقتصادي والطبي، التلوّث وأزمة النفايات في لبنان، تفشّي مرض السرطان وضرورة التوعية الصحية، الخيانة الزوجية من وجهتيْ نظر مختلفة بين (وجهة نظر الزوج ووجهة نظر الزوجة).
أما بالنسبة للقصة العاطفية التي شكّلت أساساً في قصة هذا العمل، فنجد أنّ الخط العاطفي في "خمسة ونص" تطوّر مع تصاعد الأحداث، فلم يكن ثابتاً ولا محصوراً بين بطليْن فقط، وهذا ما زاد من التشويق الدرامي، كما أنّ هذا الخط العاطفي كُرِّس لإظهار إنعكاسات وإنفعالات الشخصيات الدرامية التي خدمت "تيمة الإنتقام" في كل فروعها ضمن القصة الواحدة (الحب بين غمار وبيان بدأ بتخطيط من البطل كوسيلة منه لتنفيذ إنتقامه).

عمل درامي دمج بين القيمة الفنية ومتطلّبات السوق

لا يغفل على أحد مدى صعوبة تقديم أعمال درامية تحظى بقيمة فنية وفي ذات الوقت تحترم وتتقيّد بمتطلّبات السوق ورغبة الجمهور على قاعدة "ما يطلبه السوق والجمهور"، وهذا ما إستطاع مسلسل خمسة ونص تقديمه حيث خرَج بمستوى فني عالي مع نصِّه وحواره وكافة عناصره الدرامية، كما ربح هذا العمل على المستوى التجاري والتسويقي المطلوب راهناً.

إحترافية في إدارة وتقنيات التصوير، الإخراج والإنتاج 

أثبت المخرج فيليب أسمر مجدداً بأنّه قادراً على ضبط إيقاع أي عمل درامي يتولّى إخراجه، وما لفتنا في هذا العمل "الكادرات" المختلفة التي إعتمدها فيليب حتى في تصوير مشاهِد النفايات ولقطات من الأحياء الشعبية عبر كاميراتDrone بين التصوير "الإسقاطي" و"الدائري" مع تركيزه في تصوير الأدوات الخارجية التي يستعين بها الممثل ما يعكس إنفعالاته، مثلاً في إحدى مشاهد الحلقات الأخيرة يظهر غمار داخل غرفة مكتبه وهو يضع رأسه على الطاولة وتمّ تصوير هذه اللقطة عبر طريقة تصويرية تُسمّى contre plongée، ثمّ ركّز المخرج على لقطة معاكسة أي plongée لكأس الخمر ثمّ لحركة النقر بالأنامل، كل هذه اللقطات المتنوّعة في مشهد واحد تُظهِر حالة التوتّر التي تعاني منها الشخصية الدرامية في هذا المشهد. كما لفتنا إعتماد أسمر كثيراً على التصوير عبر Hand-held camera في معظم المشاهِد ما ساعد على إظهار حركة الممثل بكل تفاصيلها أكثر من إستخدام Steady Cam.

بالنسبة للمنحى الإنتاجي، فلا يغفل على أحد مدى إحترافية شركة الصبّاح إخوان في صناعة الدراما المحلية والعربية، ولقد أُضيف مسلسل "خمسة ونص" إلى رصيد أعمالها الناجحة.

أداء الممثلين:"تُرفع القبّعات لهم جميعاً"

إجتمعت معظم الآراء على مستوى الأداء التمثيلي لنجوم مسلسل خمسة ونص، فبالنسبة للممثل السوري قصي خولي، قدّم في هذا العمل شخصية غمار الغانم مُجسِّداً دوراً مُركّباً يعتمد على جانبٍ سيكولوجيٍ معقّدٍ، فإستطاع أن يُحيك خيوط هذا الدور في أدق تفاصيله ومستخدماً إكسسوارات شخصيته بعناية الممثل المحترف حتى أنّه أضاف بعض الحركات الجسدية التي تعكس الطباع الحادة في شخصية غمار إلى جانب حالة التوتّر والترقُّب التي يعاني منها غمار بشكل دائم (التشنّجات العصبية، التصفير، رفع عنقه وذقنه إلى الأعلى، رفع الحاجب وحركة الفم عبر الشد على الشفاه والأسنان..). أيضاً إعتنى خولي في هذا الدور بمظهره الخارجي كي يُقنع المُشاهِد بشخصية الرجل الرأسمالي والغني. كما أنّ هذه الشخصية الشريرة، لم يظهر باطنها في الحلقات الأولى من العمل ومع ذلك فرضت علامات الإستفهام نفسها حول شخصية غمار حلقة بعد حلقة... هذا الغموض المُشاكِس في أداء قصي جعل الجمهور متفاعلاً ومتشوّقاً لمعرفة مستجدات الأحداث اللاحقة، وصولاً إلى ذروة الحدث الدرامي مع ظهور الجانب السيكولوجي لدى البطل بما فيه الإدراك الحسي والفكري لشخصية غمار الغانم حيث تجلّى الشر بشراسة كبيرة في جميع تصرّفات غمار ومواقفه مع كل شخصيات العمل لحين أتى المشهد الأخير وهو واقفاً أمام صُوَر ضحاياه بعد وفاتهم (والده، أخوه غير الشقيق، وزوجته) حيث ينظر إلى الصّور نظرة المُنتصر وكأنّه يُكرِّر في ذهنه العبارة اللّازمة لهذه الشخصية "أنا القصة كلها". وتعقيباً على دور الشرّير، ننوّه أنّ خولي سبق وقدّم الشر في شخصية "سامر البسطاط" (مسلسل غزلان في غابة الذئاب عام 2006) ليعود ويُقدّم الشر مجدَّداً بأسلوب مختلف تماماً دون الوقوع في فخ التكرار الذي قد يقع فيه أي فنان.

بالنسبة للممثلة اللبنانية نادين نسيب نجيم، إستطاعت نادين الحفاظ على "كاريكتار" د. بيان نجم الدين مع التقلّبات التي تحتاجها هذه الشخصية بحسب مقتضيات الأحداث في هذا العمل أي من طبيبة، حبيبة، زوجة، أم ونائب حيث قدّمت نجيم إمكانات محترفة في إقناع المُشاهِد مع هذا التبدّل الذي تعيشه بيان لِما تفرضه عليها ظروفها على مر السنوات، فتارةً نراها في مشهد رومانسي، وتارةً نراها امرأة معنّفة، وحيناً تكون الطبيبة التي تُكرّس مهنتها لخدمة الناس، وحيناً آخر نائب يرفض الظلم والفساد، وتتجلّى براعة أدائها في المشاهد المتعلّقة بمشاعر الأمومة حيث نَمَت عن خبرة إكتسبتها نجيم خلال السنوات الأخيرة.

فيما خصّ الممثل السوري معتصم النهار بدوْر جاد، تعرّض معتصم في هذا العمل لثمّة إنتقادات بسبب ما اعتبره البعض "حضوراً صامتاً"، لكن بدورنا نشير إلى أنّ ما قدّمه النهار من أداء في الحلقات الخمسة عشر الأولى إرتكز على أصعب أدوات الممثل، ونوضّح هنا بالقول أنّ أحد عناصر النص الدرامي يكمن في الحوار الذي يعتمد على اللغة التي تتفرّع درامياً إلى لغة منطوقة ولغة غير منطوقة، ولقد إعتمدت شخصية جاد في مرحلتيْ التمهيد والحدث الصاعد من البنية الدرامية للعمل على الحوار عبر اللغة غير المنطوقة التي هي عبارة عن كل العلامات الحسية غير الملفوظة من إشارات وإيماءات لا تندرج ضمن الكلام، وهي تعتمد على لغة العيون والجسد التي أدّاها معتصم بإتقان. ومع الوصول إلى مرحلة الذروة الدرامية أتى هذا التحوّل في شخصية جاد بالتزامن مع تطوّر الخط العاطفي الذي جمعه مع بيان.

لا يمكننا الحديث عن الشخصيات الدرامية في هذا العمل دون التوقّف عند أداء أساتذة في التمثيل وهما رفيق علي أحمد (غانم الغانم) ورولا حمادة (سوزان) حيث برع كل منهما في أداء الشخصية الدرامية وهذا ليس بجديد عليْهما لأنّهما صاحبيْ باع طويل في التمثيل، حتى الممثلين الثانويين في هذا العمل أجادوا تجسيد شخصياتهم بعناية.

في الختام، لقد قدّم "خمسة ونص" عملاً درامياً بمعايير مُتْقنَة جعلته من الأعمال الجماهيرية في موسم رمضان 2019.