"الحرملك" عمل محترف تطلّب مجهوداً مضاعفاً لطاقم العمل، فلا تجوز مقارنته بمسلسل حريم السلطان!

14:00
18-05-2019
أميرة عباس
"الحرملك" عمل محترف تطلّب مجهوداً مضاعفاً لطاقم العمل، فلا تجوز مقارنته بمسلسل حريم السلطان!

بين المشهد السياسي-التاريخي العام في قصّته، إحترافية الأداء، سلاسة الحوار والإبهار البصري... يأتي مسلسل "الحرملك" بعناصر درامية مكتملة لتكفل نجاحه في الموسم الرمضاني الراهن. وهو يجمع العديد من نجوم الدراما نذكر منهم: جمال سليمان، سلافة معمار، باسم ياخور، قيس الشيخ نجيب، سامر المصري، أحمد الأحمد، طلال مارديني، أحمد فهمي، صفاء سلطان، درّة، جيني إسبر، كارمن لبس، وفاء موصللي، نادين خوري، عبد الهادي الصباغ، محمد خير الجراح، هبة نور، طارق الصباغ، يزن السيّد وغيرهم، من تأليف سليمان عبد العزيز، إخراج تامر إسحق وإنتاج شركة كلاكيت لصاحبها المنتج إياد نجار.

مسلسل خرج من العباءة التقليدية للأعمال "غير المُعاصِرة"

نبحث اليوم في تفاصيل تلك العناصر الدرامية لنُشير إلى أنّ "الحرملك" هو مسلسل تاريخي خرج من العباءة التقليدية للأعمال الدرامية "غير المعاصرة" حيث يمزج بين عدّة أنماط درامية لأنّ قصته تُعالِج موضوعاً تاريخياً-سياسياً تتقاطع معه قضايا إجتماعية من حقبة زمنية سابقة قد تتشابه في مكانٍ ما مع الوضع السائد في المنطقة العربية خلال وقتنا الحاضر. فهذا المسلسل يُسلّط الضوء على الأزمات التي كانت تُنهك المجتمع خلال نهاية الحكم العثماني حين تسبّبت في اضمحلال "الدولة العليّة" (1828–1908) والتي يصفها المؤرّخون بالفترة التي أعقبت ركود الدولة العثمانية قبل إنحلالها بشكل نهائي عام 1922، ووقتذاك شهد المجتمع على العديد من الأحداث التي تُعَد مادة دسمة لمُعالجتها درامياً أو حتى الإقتباس من واقعها ودمجها مع مخيّلة المؤلّف الدرامي لسرد أحداث تمزج بين الواقع والخيال الأقرب إلى الواقعية -إن صحّ التعبير- ومن بين تلك الأحداث نذكر تراكم الديون، إنتشار الفساد، الإنفلات الأمني، دسائس نساء الحرملك، وغيرها ... وهذا ما يُعالجه مسلسل "الحرملك".


بين الحرملك وحريم السلطان، تشابُه الشكل لا يعني تشابُه المضمون

بالحديث عن تلك الحقبة، لا بد من التعقيب على أمر هام ألا وهو تشبيه "الحرملك" بالمسلسل التركي "حريم السلطان" والقول بأنّه قد يكون النسخة العربية من هذا العمل، وهنا نعترف بأنّنا تمنّينا سابقاً أن يُقدّم "الحرملك" ما هو مختلف عن العمل التركي المذكور قبل إطلاق أي حكم مبرم على العمل العربي، وبالفعل بعد عرضه نستشف أنّ الحرملك إستطاع تقديم عملاً يحمل خصوصية لا تشبه باقي الأعمال، وننوّه بأنّ "تشابه الشكل" لا يعني "تشابه المضمون"، بمعنى أنّ التشابه الشكلي الذي يفرضه كل من مسلسل "الحرملك" و"حريم السلطان" لم يتبعه أي تشابه في المحتوى خاصة أنّ العمليْن يُعالجان الحقبة الزمنية عيْنها، ومن البديهي معالجتها في الدراما العربية بسبب تقاطع تلك المرحلة بين التاريخ السياسي العربي والتركي بما أنّ المنطقة العربية كانت تحت حكم السلطة العثمانية.

 

البنية والأداء للشخصيات الدرامية بمجهود مضاعف

في مقلب آخر، لا يمكننا الحديث عن هذا العمل دون التطرّق إلى الأداء لشخصيات العمل، فكل شخصية لها مساحتها الدرامية في "الحرملك" وتأخذ حقّها كلّ على حدى بما أنّه يعتمد على البطولة الجماعية، وهنا نوضِّح أنّ الشخصيات "غير المُعاصِرة" تختلف في بنيتها الدرامية عمّا تتطلّبه "المُعاصرة" منها لِما تحمله من أبعاد مختلفة، بمعنى أنّه عادة ما ترتكز الشخصيات الدرامية على ثلاث أبعاد بحسب نظرية الأب الروحي للمسرح الحديث قسطنطين ستانسلافسكي في "إعداد الممثل" ألا وهي البُعد المادي الفيزيولوجي، الإجتماعي السوسيولوجي، والنفسي السيكولوجي، وفيما خصّ شخصيات "الحرملك" فنجدها تعتمد على هذه الأبعاد بما يتلاءم مع الحقبة الزمنية التاريخية التي يُعالجها العمل ما تطلّب مجهوداً مضاعفاً للممثلين.


سلاسة الحوار باللهجات العربية "المحكيّة"

فضلاً عن ذلك، يجب الإشارة إلى أنّ هذا العمل إعتمد على اللغة "المحكية" بالعديد من اللهجات العربية بين السورية، المصرية، واللبنانية دون أن يرتكز على اللغة الفصحى كسائر الأعمال التاريخية وهذا ما أضاف سلاسة على الحوار وجعل "الحرملك" أقرب إلى الدراما الإجتماعية وليس بالدراما التاريخية المحض.


إدارة الإخراج والإنتاج الضخم

أما فيما خصّ العناصر الدرامية الأخرى، فلا بد من التنويه إلى أنّ هذا المسلسل إعتمد على صورة إخراجية محترفة مرتكزاً على عنصر الإبهار البصري (الصورة) والسمعي (الموسيقى التصويرية) لجذب المُشاهِد، وذلك مع تركيز المخرج على كادرات تهتم بأدق التفاصيل مع إدارة إخراجية عالية للممثلين، إلى جانب الإنتاج الفني والمادي الضخم الذي ساهم كعنصر أساسي في نجاح هذا العمل خاصة أنّ شركة "كلاكيت" بذلت مجهوداً كبيراً كي يُبصِر "الحرملك" النور بعدما كانت قد بدأت بالتحضير له منذ أكثر من عاميْن قبل التعاقد مع نجوم العمل.

موسيقى الريماوي بين الصوفية والعصرية

قبل ختام الحديث عن "الحرملك"، يجب إعطاء لكل ذي حق حقه لذلك علينا الإشادة بالموسيقى الخاصة بهذا العمل والتي وضعها الموسيقي المُتميِّز إياد الريماوي، فبالإستماع بتمعّن إلى تتر المسلسل سنستشف التحليل الموسيقي الذي وضعه الريماوي لتأليف مقطوعة موسيقية تتلاءم مع الحقبة الزمنية التي يُعالجها "الحرملك"، وهنا نُفصّل بالقول أنّ الموسيقى العربية في تلك الحقبة كانت متأثّرة جداً بالموسيقى التركية التي تأثّرت بدورها لاحقاً بالموسيقى الأندلسية والفارسية والأوروبية، إذ إعتمد الريماوي في موسيقى "الحرملك" على لون الموسيقى الصوفية التي كانت سائدة في ذاك العصر والتي إشتهرت بالنغم الموسيقي عن طريق الناي، والذي كان يُعَد وسيلة "للجذب الإلهي" لذلك وضع الريماوي آلة الناي في المقدمة الموسيقية للمسلسل، وإستخدم الآلات المعتمدة في الموسيقى الشعبية التركية كالمزمار ثم أرفقها بالآلات الإيقاعية (الطبل)، وهذا ما جعل موسيقى هذا العمل تمزج بين ثقافة الموسيقى التركية وموسيقى بلاد الشام، إلى جانب الآلات الوترية التي أضافت الشجن على النغم بوتيرة موسيقية متصاعدة تشبه التصاعد في المنحنى الدرامي لأحداث مسلسل "الحرملك".

بذلك، نرى أنّ العناصر الدرامية جاءت مكتملة في مسلسل "الحرملك" لتقديم عملاً درامياً مختلفاً عبر الشاشة الفضية خلال الموسم الرمضاني لعام 2019.