"أبو عمر المصري" نهاية تراجيدية لِمَلحمة دراميّة عَكَست الصراع الفكري لدى الشباب العربي!

12:00
16-06-2018
أميرة عباس
"أبو عمر المصري" نهاية تراجيدية لِمَلحمة دراميّة عَكَست الصراع الفكري لدى الشباب العربي!

حقّق مسلسل "أبو عمر المصري" نجاحاً هاماً وإنتشاراً محلياً وعربياً لِما إتسم به من تكامل للعناصر الدرامية فضلاً عن رسالته الإجتماعية بالتزامن مع أزمة حقيقية لجيل الشباب في المجتمع العربي ما يستدعي بنا الوقوف على كافة تفاصيل هذا العمل، وهو بطولة الممثل المصري أحمد عز وإلى جانبه عدد من النجوم مثل أروى جودة، أمل بوشوشة، فتحي عبد الوهاب، إيمان العاصي، منذر رياحنة، محمد سلام وغيرهم، علماً أنّه مقتبس من روايتيْ أبو عمر المصري ومقتل فخر الدين للكاتب الروائي عز الدين شكري فشير، تأليف مريم نعوم، إخراج أحمد خالد موسى وإنتاج طارق الجنانيني.

 

قبل الإنتقال في الحديث عن نجوم العمل نُشير بالقول إلى أنّه لا شكّ بأنّ الأعمال الدرامية التي تُقتَبس من رواية ما تُشكِّل تحدياً لِما سيحمله العمل من ترجمة للورق الروائي وتحويله لدراما مُتلفزة مع كيفية رسم تصوُّر للشخصيات بما فيها مُشابه أو مُغايِر للرواية، وفيما خص مسلسل "أبو عمر المصري" إستطاعت الكاتبة مريم نعّوم بعد مفاوضات عديدة مع فريق العمل إستحداث تفاصيل جديدة على الفكرة الرئيسية من الروايتيْن المقتبس منهما المسلسل، فبدت واضحة ما آلت إليه الرؤية الدرامية والإخراجية في هذا العمل لجعل القصة أشبه بما يُسمّى "ملحمة درامية"، نُضيف إلى ذلك الحوار والسيناريو والحبكة الدرامية حيث إجتمعت كل تلك العناصر لمعالجة قصة تُعَدّ قضية إجتماعية تعكس صراع الفكر وإفتقاد القِيَم المثاليّة لدى شريحة من جيلٍ بأكمله لكي توصل رسالة مفادها تنبيه الجمهور من أنّ القهر والظُلم قد يُغيِّر حتّى الإنسان الخيِّر ورجل القانون فيصبح شريراً ويختار توجّهاته الحياتية بعدها بشكل خاطئ بسبب معاناته المُتراكِمة من هذا الظُلْم. وشهدت الحلقة الأخيرة من المسلسل على قتل سمير العبد (فتحي عبد الوهاب) على يد فخر الدين (أحمد عز)، لتنتهي قصة العمل بموت البطل فخر الدين في الصحراء على قاعدة "مَن يَقتِل يُقتَل"، وأتت هذه النهاية التراجيدية بالفعل واقعية ومنطقية، واللافت في المشهد الأخير هو الحوار بين فخر الدين وإبنه عمر حيث طلب منه العودة إلى عائلته ونسيان القتل، وإختتم فخر الدين حديثه بعبارة تحمل معنى عميق حين يقول :"عايز أروح لرب كريم يحميني من ظلم البشر".

 

أما بطل العمل، الممثل المصري أحمد عز، لقد عاد عبر هذا المسلسل بقوّة إلى الشاشة الفضية فهو يكتفي بمسلسل واحدٍ كل خمس سنوات تقريباً، وهذه إستراتيجية فنية مُحنّكة في تركيزه على العمل التلفزيوني المميّز من فترة لأخرى عوضاً من تقديمه لمسلسل كل عام ومن هذا المنطلق يختار أدواره التلفزيونية بعناية شديدة، وفي حال تابعنا أعمال عز التلفزيونية تحديداً منذ عام 2003 وصولاً لمسلسل "أبو عمر المصري" عام 2018، نستشف مدى نضج أدائه خاصة مع كيفية بنائه لشخصية فخر الدين هاشم وتحوّله لوحشٍ قاتلٍ، واللافت أنّ عز إرتكز في أدائه على نظرات عيونه حيث عكست إنفعالاته المكبوتة وجعلت الجمهور المُتلقّي يشعر بهذا التحوُّل الدرامي في الشخصية، أيضاً إستطاع بطل العمل الحفاظ على تقلّبات شخصيته بحسب المواقف التي تعرّض لها بسبب ما يتخلّل المسلسل من أحداث غنيّة بالتشويق، لذلك لاحظنا أنّ عز إعتمد على بناء هذه الشخصية مع دمجها بالبُعد النفسي المُتعلِّق بالبُعد الإجتماعي إستناداً على تطوّر الأحداث.

 

من خلال هذه الشخصية عَكَس عز قضية مجتمع وجيل حيث تعكس صراع فكري حتى أنّ باقي الشخصيات وتحديداً أصدقاء البطل عكسوا هذا الصراع من خلال إختياراتهم التي تبدّلت بعد تعرّضهم للظلم في ظل تغيّرات إجتماعية وسياسية واقعيّة شَهَدها ويشهدها المجتمع العربي ككل مع إنخراط شبابه في صفوف الإرهابيين. وفيما خصّ أداء باقي الشخصيات، لفتنا أداء الممثل فتحي عبد الوهاب بشخصية سمير العبد الذي أتقن دوره وتعمّق في كافة حذافير الشخصية ومكوّناتها، أيضاً الممثل الشاب محمد سلام ورغم أنّه إشتهر منذ فترة وجيزة بأدواره الكوميدية لكنّه فاجأنا بأدائه التراجيدي في مسلسل "أبو عمر المصري"، كما حقّقت شخصية خالة مريم أي الممثلة عارفة عبد الرسول نجاحاً وأثنت على أدائها الكثير من آراء الجمهور عبر مواقع التواصل الإجتماعي فهي ذكّرتنا بدوْر الأم الحنون مثل الممثلتيْن القديرتيْن الراحلتيْن أمينة رزق وكريمة مختار.

 

فضلاً عن ذلك، لقد تكاملت العناصر الدرامية الآنف ذكرها مع "سينوغرافيا" العمل بما فيها من عناصر مثل التصوير، الإضاءة، الموسيقى التصويرية، الإخراج والإنتاج حيث خَرَج مسلسل "أبو عمر المصري" بهذه الصورة اللائقة في ظل تقلّبات وأزمات السوق الدرامية والإنتاجية.