لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية تجريبية بعيدة عن صناعة الفن العربي بين الموسيقى والفيديو كليب، بل بات حاضرًا في عدد متزايد من الفيديوهات، مع اختلاف واضح في طريقة توظيفه بين فنان وآخر. فهناك أعمال اعتمدت عليه لبناء عالم بصري متكامل من دون تصوير تقليدي، وأخرى جمعَت بين ظهور الفنان أمام الكاميرا ومشاهد وشخصيات مولّدة رقميًا، فيما دخلت التقنية أيضًا في تصميم المؤثرات وتطوير المشاهد والخيال البصري.ومع اتساع هذه التجارب، لم تعد المسألة مرتبطة بفنان واحد أو اسم بعينه، بل بظاهرة تتطور داخل صناعة الموسيقى العربية، وتفتح الباب أمام أساليب جديدة في الإنتاج والإخراج، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة حول دور التكنولوجيا وحدودها، وموقع المخرج في هذه المعادلة المتجددة.
من «آخر زفير» إلى محمد حماقي… البدايات الأولى
تعود إحدى التجارب المبكرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الكليبات العربية إلى عام 2022، مع كليب «ارتوازي» لفرقة «آخر زفير»، الذي قدّم عالمًا بصريًا متغيّرًا بالاستعانة بالتقنيات الحديثة.وفي عام 2023، انتقلت التجربة إلى أسماء جماهيرية، من بينها النجم المصري محمد حماقي في كليب «حبيت المقابلة»، الذي أخرجه يوسف حماد واعتمد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج مشاهده بالكامل، وفق تقارير صحفية.وشكّلت هذه الأعمال محطة لافتة في انتقال الذكاء الاصطناعي من نطاق التجارب البصرية المحدودة إلى أعمال فنانين معروفين، مع اختلاف طريقة استخدامه من مشروع إلى آخر.
وليد ناصيف… من أوائل المخرجين العرب الذين خاضوا تجربة الذكاء الاصطناعي
برز اسم المخرج اللبناني وليد ناصيف مبكرًا في مجال توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الكليبات العربية، إذ اختار استكشاف إمكانات هذه التقنية وتطوير طرق استخدامها في الإنتاج البصري. وفي مارس/آذار 2024، تناولت تقارير صحفية تجربته مع التقنية، مشيرةً إلى استعداده لتقديم مشاريع جديدة في عالم الكليبات والإعلانات والبرامج باستخدامها.وتوسّعت التجربة مع الفنانة لطيفة التونسية ، التي أعلنت في مايو/أيار 2024 عن مشروع لتصوير مجموعة من أغاني ألبوم «مفيش ممنوع» بالذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع وليد ناصيف، الذي تولّى إخراج أربعة كليبات ضمن المشروع، فيما أُسند إخراج كليبين آخرين إلى شريف ترحيني.وفي حديثها عن التجربة، كشفت لطيفة أنها ترددت في البداية عندما اقترح ناصيف تنفيذ كليبات بالذكاء الاصطناعي، قبل أن توافق بعدما اطّلعت على إمكانات التقنية. وتوضح هذه التجربة كيف انتقل الذكاء الاصطناعي من فكرة جديدة إلى أداة إخراجية يختبر المخرجون من خلالها أساليب مختلفة في صناعة الصورة.وبذلك، يمكن اعتبار وليد ناصيف من الأسماء المبكرة والبارزة في هذا المجال عربيًا. سعد رمضان وميريام فارس… تجارب تتنوّع بين الواقع والخيال
لم يتوقف الحضور عند هذه الأسماء، إذ دخل الفنان اللبناني سعد رمضان المجال من خلال كليب «أصلًا حليان»، بإخراج وليد ناصيف، في تجربة جمعت بين التصوير الواقعي والذكاء الاصطناعي. أما النجمة اللبنانية ميريام فارس، فقد استخدمت التقنية في أكثر من كليب وإطلالة ترويجية، لتوسيع الخيارات البصرية التي ترافق أعمالها.وتكشف هذه التجارب أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الكاميرا أو عن المخرج، بل قد يكون وسيلة لإضافة مشاهد وخلفيات وأفكار يصعب تنفيذها بالطريقة التقليدية وحدها.
راشد الماجد عاصي الحلاني ونوال الزغبي… أكثر من طريقة لصناعة الصورة
مع اتساع التجارب، دخلت التقنية إلى أعمال فنانين من أجيال وأنماط موسيقية مختلفة.قدّم سندباد الأغنية الخليجية راشد الماجد كليب «أنا استسلمت»، بإخراج إيهاب غيث، في تجربة وُصفت بأنها معتمدة بالكامل على الإنتاج الرقمي، من دون تصوير واقعي تقليدي.أما فارس الغناء العربي عاصي الحلاني، فاختار في كليب «أشتكي لله»، بإخراج عبد الفتاح إسماعيل، المزج بين التصوير التقليدي والعالم البصري المصنوع بالذكاء الاصطناعي.وفي تجربة مختلفة، ظهرت النجمة الذهبية نوال الزغبي في كليب «يا مشاعر»، الذي أخرجه رامي نبها عام 2025، ضمن لقطات واقعية تحيط بها مشاهد طبيعية مولّدة رقميًا.كما أُدرج اسم السوبر ستار راغب علامة ضمن هذه الموجة من خلال كليب «ترقيص»، الذي أخرجه زياد خوري، وتولى علي ماجد فيه مهمة المبدع البصري بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ظهر راغب بشخصيته الحقيقية، بينما صُنعت شخصيات راقصة ومشاهد في مدن مختلفة باستخدام التقنية.هذه الأعمال تقدّم نماذج مختلفة للتعامل مع التكنولوجيا: من إنتاج الصورة بالكامل تقريبًا إلى توظيفها في أجزاء من الكليب، مع بقاء التصوير الواقعي حاضرًا في بعض التجارب.
من راغب علامة إلى حسين الجسمي… الذكاء الاصطناعي يتولى صناعة الكليب بالكامل
في سبتمبر/أيلول 2026، عاد راغب علامة إلى الواجهة مع كليب «كده كده»، الذي تولّى علي ماجد رؤيته البصرية وتنفيذه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي، من توليد المشاهد والشخصيات إلى مزامنة حركة الشفاه والمونتاج وتصحيح الألوان، من دون استخدام لقطات مصوّرة حقيقية.وفي تجربة أخرى، قدّم الفنان حسين الجسمي كليب «مستنيك»، بإنتاج هشام جمال، الذي أوضح أن العمل صُنع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك بناء صورة الشخصيات المشاركة فيه.وتبرز هنا مرحلة مختلفة من تطور التقنية، إذ لم يعد دورها محصورًا في إضافة مؤثرات إلى مشاهد مصوّرة، بل امتد إلى بناء الصورة النهائية للعمل، وتشكيل الشخصيات والأماكن والحركة، وصولًا إلى إنتاج كليب كامل داخل عالم رقمي.ولا ينتقص هذا التحول من دور المخرج أو الفريق الإبداعي؛ فاختيار الفكرة وتحديد أسلوبها البصري وإدارة تفاصيلها تبقى عناصر أساسية في صناعة العمل، حتى عندما تتغير الأدوات المستخدمة لتنفيذه.
فارس كرم… «كلو خالص» يجمع بين قصة الحب والذكاء الاصطناعي
دخل نجم المسارح فارس كرم بدوره إلى مشهد الكليبات التي تستعين بالذكاء الاصطناعي، من خلال أغنيته الجديدة «كلو خالص»، التي طُرحت في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ضمن معالجة بصرية بإشراف المخرج باسم كريستو.وينطلق الكليب من أجواء السجادة الحمراء وعدسات المصورين، حيث يظهر فارس كرم في دور مصوّر، قبل أن تتطور الأحداث إلى قصة عاطفية تجمعه بالنجمة التي يتابعها. ويستعين العمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء عالم بصري يمزج بين أجواء الشهرة والخيال والرومانسية.وتأتي هذه التجربة لتؤكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكليب العربي لا يقتصر على الأعمال المصنوعة بالكامل رقميًا، بل يشمل أيضًا أعمالًا توظّف التقنية ضمن رؤية إخراجية تجمع بين الحكاية والصورة والخيال.
عمرو دياب وكارول سماحة ووليد توفيق… التقنية تدخل إلى عوالم مختلفة
ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه التجارب أيضًا الهضبة عمرو دياب، في كليب «حبيتك»، الذي أخرجه ليام علام، حيث جرى المزج بين لقطات حقيقية ومحتوى مولّد رقميًا.أما النجمة اللبنانية كارول سماحة، فخاضت تجربتها مع الذكاء الاصطناعي في كليب «يا حظّي» عام 2026، بإخراج روجر غنطوس، ضمن توجه بصري استعان بالتقنية في تطوير الفكرة وتنفيذها.كما دخل النجم العربي وليد توفيق هذا المجال من خلال كليب «شو كتر مشتاق»، الذي ارتبط اسمه بإخراج إدوار بشعلاني، في تجربة مزجت بين التصوير الواقعي والمشاهد المصنوعة بالذكاء الاصطناعي.وتؤكد هذه الأمثلة أن التقنية لا تفرض شكلًا واحدًا على جميع الفنانين، بل تتيح خيارات مختلفة تبعًا لفكرة الأغنية وطبيعة الصورة التي يريد صنّاعها تقديمها.
ملحم زين محمد منير حسام حبيب وحميد الشاعري… أسماء أخرى في المشهد
ولا تقتصر القائمة على الفنانين الذين حظيت أعمالهم بتغطية واسعة عند طرحها؛ فقد تحدّث المخرج إيهاب غيث عن تنفيذ أعمال تعتمد على الذكاء الاصطناعي لعدد من الفنانين، من بينهم النجم اللبناني آدم في «قلبي مرتاح» و«كذا شخصية»، الفنان نادر الأتات في «تعي نسافر»،ريس الأغنية ملحم زين في «طلعت شمسا» وأعمال من ألبوم «ملحم 22»، الكينغ محمد منير في «ملامحنا»، الفنان حسام حبيب في «سبتك»، الفنان حميد الشاعري في «ده بجد»، والفنان السيلاوي في «الصبر مفتاح».وتُظهر هذه الأسماء مدى اتساع التجربة لتشمل أنماطًا موسيقية وأجيالًا مختلفة، من دون أن يعني ذلك أن جميع الأعمال اعتمدت التقنية بالطريقة نفسها أو بالدرجة ذاتها.
محمد رمضان ومصطفى قمر… الذكاء الاصطناعي والجرافيك في التجارب البصرية
وفي مصر، استعان النجم المصري محمد رمضان بالتقنيات الحديثة في أعمال مصوّرة من بينها «الجو حلو» و«أنا أنت» و«عضمضم»، ضمن تعاون مع المخرج ومصمم الكليبات محمد يوسف، المعروف باسم «ديكس». وقد شملت التجربة المؤثرات البصرية والرسوم ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي، لذلك من الأدق وصفها بأنها أعمال توظّف مجموعة من التقنيات الرقمية، لا كليبات مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.كما قدّم الفنان مصطفى قمر تجربة «قمر قمرين» عام 2026، في عمل طويل ذي طابع قصصي يجمع بين الغناء والجرافيك والذكاء الاصطناعي.وتبرز أهمية هذه النماذج في أنها توضح أن بعض المشاريع لا تستبدل التصوير التقليدي بالكامل، بل تجمع أدوات متعددة لصناعة عالم بصري يناسب فكرة الأغنية.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي منافسًا للمخرجين؟
اتساع هذه القائمة يطرح سؤالًا أساسيًا: هل ينافس الذكاء الاصطناعي المخرجين، أم أنه يمنحهم أدوات إضافية لتوسيع رؤيتهم؟من جهة، تتيح التقنية توليد أماكن وشخصيات ومشاهد خيالية، وتساعد في تنفيذ أفكار قد تحتاج إلى ميزانيات كبيرة أو وقت طويل إذا أُنجزت بالوسائل التقليدية. كما تمنح الفنانين وفرق الإنتاج خيارات جديدة لتجريب أنماط بصرية مختلفة.ومن جهة أخرى، لا تزال هناك تحديات تتعلق بثبات ملامح الشخصيات، انسجام المشاهد، حركة الأجسام والشفاه، فضلًا عن حقوق الصور والأصوات، والحاجة إلى وضوح أكبر في طريقة استخدام المحتوى المولّد رقميًا.كذلك، فإن نجاح الكليب لا يتوقف على إبهار الصورة وحده، بل يرتبط بمدى خدمتها للأغنية، وبقدرة المخرج على بناء رؤية متماسكة تمنح المشاهد سببًا للتفاعل مع العمل.
بين الخيال البشري والتكنولوجيا… إلى أين تتجه الكليبات العربية؟
من «ارتوازي» لفرقة آخر زفير، مرورًا بتجارب محمد حماقي ،يوكي، لطيفة ،سعد رمضان، راشد الماجد، عاصي الحلاني ،نوال الزغبي وراغب علامة، وصولًا إلى حسين الجسمي، عمرو دياب، كارول سماحة ،وليد توفيق وأسماء أخرى، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من نقاش متنامٍ حول مستقبل الفيديو كليب العربي.لكن هذه التجارب لا تعني أن جميع الفنانين يتبعون نهجًا واحدًا، ولا أن التقنية أصبحت بديلًا حتميًا عن التصوير التقليدي. فبعضهم يستخدمها لبناء العمل كاملًا، وبعضهم يوظفها في مشاهد محددة، وآخرون يجمعونها مع الجرافيك والتصوير الواقعي.في النهاية، لا يتعلق مستقبل الكليب العربي بمنافسة مباشرة بين الإنسان والآلة بقدر ما يتعلق بكيفية توظيف الأدوات الجديدة لخدمة الفكرة الفنية. فالذكاء الاصطناعي قادر على توسيع حدود الصورة، لكن الرؤية التي تمنحها المعنى وتربطها بالأغنية تبقى جزءًا أساسيًا من العملية الإبداعية.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









