في عصر يزداد فيه ضغط العمل والدراسة ومتطلبات الحياة اليومية، أصبح نقص النوم مشكلة شائعة تؤثر على الصحة والتركيز والأداء الجسدي والذهني. يبحث الكثيرون عن طرق للتعويض عن ساعات النوم المفقودة أو للحفاظ على يقظتهم خلال فترات الانشغال، ومن بين هذه الاستراتيجيات ما يعرف بـ “تخزين النوم”. فكرة تخزين النوم تقوم على النوم لفترات أطول قبل مرحلة متوقعة من الحرمان من النوم، بهدف تجهيز الجسم والدماغ بمخزون من الطاقة واليقظة يمكن الاستفادة منه لاحقًا. وفي هذا السياق، ظهرت العديد من الدراسات التي تسعى لفهم مدى فعالية هذه الطريقة وفوائدها المحتملة، سواء على الصعيد العقلي أو الرياضي أو الصحي العام.
وقد تم طرح مفهوم “تخزين النوم” عام 2009 على يد باحثين في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في الولايات المتحدة، بقيادة تريسي روب، التي تبحث عن طرق لمساعدة الجنود على الحفاظ على يقظتهم قبل المهام الشاقة. قسّم الباحثون 24 فرداً عسكرياً إلى مجموعتين، قضت إحداهما سبع ساعات في السرير، بينما سُمح للأخرى بعشر ساعات، ثم خضع الجميع لفترة حرمان من النوم تقارب ثلاث ساعات لكل ليلة. أظهرت النتائج أن المجموعة التي خصصت ساعات إضافية للنوم حافظت على يقظتها وقدرتها على التركيز بشكل أفضل، وعادت إلى أدائها الطبيعي أسرع من المجموعة الأخرى.
في السنوات التالية، أكدت أبحاث أخرى أن النوم الإضافي قبل فترة الانشغال يمكن أن يحسن الأداء في مجالات عدة، بما في ذلك الأداء الرياضي. على سبيل المثال، استخدام هذه الاستراتيجية شائع بين المتسابقين في سباقات الإبحار، كما أظهرت دراسة عام 2023 على أطباء في ميامي أن تخزين حوالي 90 دقيقة من النوم لمدة ثلاثة أيام متتالية حسن الأداء خلال أسبوعين من المناوبات الليلية. ولاعبو الرغبي والتنس وكرة السلة الذين زادوا من ساعات نومهم لاحظوا تحسنًا في قدرتهم على الأداء، من دقة الإرسال إلى سرعة الركض وتقليل الإجهاد البدني.
مع ذلك، يظل مفهوم تخزين النوم مثار جدل بين الباحثين. فبينما ترى روب وزملاؤها أن النوم الإضافي يمنح الدماغ فرصة للتخلص من الفضلات العصبية وتجديد مخزون الطاقة (الغليكوجين)، يرى آخرون أن الجسم لا يخزن النوم فعليًا للمستقبل، وإنما يعوّض نقصه السابق فقط. تُشير مراجعات علمية إلى أن بعض الدراسات قد تكون متحيزة، وأن التحسينات الملحوظة في الأداء قد لا تكون نتيجة مباشرة لتخزين النوم.
من الناحية الفسيولوجية، يؤكد الخبراء أن النوم ضروري لتجديد الطاقة وإصلاح الخلايا، وتنظيف الدماغ من الفضلات، وترسيخ المعلومات والذكريات. معظم البالغين يحتاجون من 7 إلى 9 ساعات نوم ليلي للحصول على أداء جيد، بينما يؤدي الحرمان المزمن من النوم إلى تراجع الأداء العقلي والجسدي، وفقدان التركيز، وتراجع الحافز والمزاج.
أما عن توقيت تخزين النوم، فيوصي بعض الخبراء بالاستفادة من النوم الإضافي صباحًا أو مساءً قبل فترة انشغال. يمكن منح الجسم من 30 إلى 60 دقيقة إضافية من النوم لعدة أيام، كما يمكن اللجوء إلى القيلولة القصيرة إذا لم يكن بالإمكان النوم لفترة أطول في الليل، شريطة ألا تتجاوز 45 دقيقة لتجنب شعور الخمول بعد الاستيقاظ.
مع ذلك، يحذر بعض الخبراء مثل إليزابيث كليرمان من اعتبار النوم المخزون كحل طويل الأمد، إذ لا يوجد دليل على إمكانية “تخزين” النوم بشكل فعلي، وقد يؤدي الاعتقاد بخلاف ذلك إلى حرمان متعمد من النوم اليومي. ومع ذلك، تعويض النوم المفقود بشكل سريع مفيد لصحة الجسم والدماغ، ويظل نصف ساعة إضافية من النوم كل ليلة استراتيجية عملية لتحسين اليقظة والأداء.
في النهاية، يؤكد الخبراء على أهمية جدول نوم منتظم، والنوم الكافي ليلاً، والاستفادة من القيلولة القصيرة عند الحاجة، مع الإشارة إلى أن النوم المخزون ليس بديلاً عن النوم المنتظم، بل هو أداة مساعدة مؤقتة لتحسين الأداء عند الحاجة.
المصدر: info3
https://info3.com/mental-health/266698/text/full/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AE%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%85-%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%B2-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D9%8A
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









