حقق فريق بحثي في برلين تقدماً طبياً واعداً قد يُحدث تحولاً جذرياً في علاج أحد أكثر أمراض الكلى الوراثية انتشاراً وخطورة، وهو مرض الكلى متعدد الكيسات السائد (ADPKD)، الذي يشكّل تهديداً جدياً لحياة الملايين حول العالم.
ويعتمد الاكتشاف الجديد على تقنية دقيقة من تقنيات تعديل الجينات تُعرف باسم “تحرير القاعدة”، والتي قد تتيح مستقبلاً إصلاح الطفرات المسببة للمرض بدقة غير مسبوقة.
في التفاصيل، ADPKD هو مرض ينجم عن طفرات في جيني PKD1 وPKD2، تؤدي إلى تكوّن أكياس كبيرة مملوءة بالسوائل في الكلى.
ومع نمو هذه الأكياس، تتدهور وظيفة الكلى تدريجياً، ويعاني المرضى من ارتفاع ضغط الدم، التهابات متكررة، وألم مزمن، وصولاً إلى الفشل الكلوي الذي يستدعي غسيل الكلى أو الزراعة.
ورغم انتشاره الواسع، لا يتوفر سوى دواء واحد معتمد يبطئ تقدم المرض.
والدواء الوحيد المصرح به هو تولفابتان (Tolvaptan)، الذي يخفف سرعة نمو الأكياس، لكنه يسبب آثاراً جانبية قوية منها فقدان كميات كبيرة من السوائل.
كما أنه لا يُعالج الأكياس القائمة ولا يوقف تدهور وظائف الكلى، ما يجعل الحاجة إلى علاج جذري أكثر إلحاحاً
في هذا السياق، قاد الدراسة الدكتور مايكل كامينسكي، رئيس مجموعة “هندسة خلايا الكلى” في مركز برلين لبيولوجيا الأنظمة الطبية، بالتعاون مع باحثين من ألمانيا والولايات المتحدة.
ونُشرت النتائج في مجلة Molecular Therapy في 20 أغسطس/آب 2025.
واستخدم الفريق نسخة مطوّرة من تقنية CRISPR/Cas تُعرف بـ”تحرير القاعدة”، وهي أداة متقدمة تتيح تصحيح حرف واحد في الشيفرة الجينية دون الحاجة إلى قطع أو استبدال مقاطع وراثية كبيرة، ما يقلل خطر الأخطاء الجينية.
وحدد الباحثون 39 طفرة في جين PKD1 لدى مرضى ADPKD، وتمكنوا من إصلاح ثلث هذه الطفرات في المختبر.
وعند اختبار التقنية على خلايا مستخلصة من بول المرضى، استعادوا إنتاج البروتين الحيوي بوليسيستين-1 المسؤول عن سلامة أنسجة الكلى.
وفي تجارب على فئران مصابة، انخفض عدد الأكياس وحجمها بشكل ملحوظ، وهو إنجاز مهم لأن العلاجات المتاحة حالياً لا تقلل من هذه الأكياس.
وأظهرت التحاليل أيضاً انخفاضاً في مؤشرات الإجهاد الخلوي، ما يؤكد نجاح الإصلاح الجيني وظيفياً.
ورغم النجاح، يشير كامينسكي إلى أن الطريق لا يزال طويلاً قبل اعتماد العلاج سريرياً؛ فالتقنية جُرّبت فقط على الخلايا الحيوانية والإنسانية وعلى نماذج الفئران.
ويعمل الباحثون حالياً على تطوير وسائل آمنة وفعّالة لإيصال أدوات تحرير الجينات مباشرة إلى الكلى، وعلى تقييم فعالية العلاج في المراحل المتقدمة من المرض
وفي دراسة موازية نُشرت في Scientific Reports في 29 سبتمبر/ أيلول 2025، قادت مارتينا ميجليوريرو من جامعة تورينو فريقاً بحثياً لإنشاء نماذج خلوية تحمل طفرات مختلفة من جين PKD1.
وكشفت هذه النماذج تأثيرات خلوية مهمة مثل اضطراب البلعمة الذاتية وضعف كفاءة الميتوكوندريا، مع اختلافات في آليات تنظيم دورة الخلية، ما ساعد في تحديد الطفرات الأكثر تسبباً للمرض وربما إعادة تصنيف بعضها.
وبالتالي، تكشف الدراستان عن تحول نوعي في التعامل مع مرض ADPKD، فبدلاً من التركيز على تخفيف الأعراض وتأخير تفاقم المرض، قد يتمكن الأطباء مستقبلاً من تصحيح الطفرات مباشرة في الكلى وربما في الكبد أيضاً، ما يحسّن بشكل كبير فرص بقاء المرضى ويجنبهم سنوات من المعاناة.
وختم كامينسكي حديثه قائلاً “نقترب من مستقبل لا نكتفي فيه بإدارة الأمراض الوراثية… بل نصححها من جذورها.”
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









