حقق علماء من جامعة ستوكهولم إنجازاً علمياً استثنائياً كان يُعتقد سابقاً أنه شبه مستحيل، بعد تمكنهم من استخراج الحمض النووي الريبي (RNA) من ماموث صوفي يعود عمره إلى نحو 40 ألف سنة. الماموث الصغير، المعروف باسم “يوكا”، عُثر عليه محفوظاً بشكل مذهل داخل طبقات الجليد الدائم في سيبيريا، ما حمى أنسجته الحيوية من التحلل وأتاح للباحثين استعادة جزيئات RNA شديدة الهشاشة.
ونُشرت نتائج هذه الدراسة الرائدة الجمعة في مجلة Cell العلمية.
يُعد الـRNA من أكثر الجزيئات عرضة للتلف بعد الوفاة، إذ يبدأ عادة بالتحلل خلال دقائق، مما يجعل العثور عليه في بقايا قديمة أمراً بالغ الصعوبة.
لهذا وصف عالم الحفريات لوف دالين، المشارك في الدراسة، المشروع بأنه مغامرة علمية جريئة و”مجنونة” لكونها تتحدى كل ما هو معروف عن استقرار الـRNA.
غير أن البيئة القطبية المتجمدة سمحت بالحفاظ على أجزاء دقيقة من الخلايا، بما فيها آثار RNA بقيت معلّقة في الزمن.
وخلال البحث، فحص الفريق عينات من عدة ماموثات، ليجد في النهاية ثلاث مجموعات صالحة للتحليل، من بينها العينة المأخوذة من يوكا.
كانت النتائج مذهلة؛ إذ أوضح دالين أن الـRNA المستخرج التقط حالة الخلايا في اللحظة الفعلية لوفاة الحيوان، مانحاً العلماء نافذة فريدة على نشاطه البيولوجي الأخير—a مستوى من التفاصيل لم يكن متاحاً سابقاً عبر تحليل الحمض النووي الريبي في كائنات منقرضة.
وكان باحثون روس قد رجّحوا أن يوكا كانت أنثى صغيرة عندما نفقت، وقد أظهرت جثتها جروحاً في الخلف يُعتقد أنها ناجمة عن هجوم من أسود الكهوف أو أثناء قيام الحيوانات المفترسة بالتهام الجثة.
من جهته، أكد مارك فريدلاندر، المؤلف الرئيسي للدراسة وخبير البيولوجيا الحاسوبية، أن هذا الاكتشاف يقلب المفاهيم العلمية رأساً على عقب، إذ تعتبر المراجع الأكاديمية RNA جزيئاً غير مستقر إلى درجة تمنع حفظه لفترات طويلة.
لذلك يُعد العثور على RNA محفوظ منذ عشرات آلاف السنين مفاجأة علمية كبرى.
لم تقف أهمية الاكتشاف عند حدود استعادة المادة الوراثية القديمة؛ فقد تمكن الباحثون أيضاً من تحديد أنواع جديدة من الـmiRNA، وهي جزيئات تنظيمية دقيقة تتحكم بترجمة الشيفرة الوراثية إلى بروتينات، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لآليات عمل خلايا الماموث المنقرض.
وترى الدراسة أن هذا التقدم العلمي سيُحدث تحولاً في مجال علم الحفريات الجزيئي، لأنه لا يكسر القواعد القديمة حول تحلل الجزيئات فحسب، بل قد يساعد أيضاً في تتبع تطور فيروسات RNA مثل إيبولا وSARS-CoV-2 عبر الزمن.
يُمثل هذا الاكتشاف بداية فصل جديد في دراسة الماضي البيولوجي للأرض، ويقرب العلماء خطوة إضافية نحو فك أسرار الكائنات التي طواها الجليد منذ آلاف السنين.
يمكنكم نشر مقتطفات من المقال الحاضر، ما حده الاقصى 25% من مجموع المقال، شرط: ذكر اسم المؤلف والناشر ووضع رابط Aghani Aghani (URL) الإلكتروني الذي يحيل الى مكان مصدر المقال، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.









