تعرّف على معنى "إعطني الناي"بصوت فيروز في ذكرى ميلاد مؤلّفها الراحل جبران خليل جبران!

8:00
06-01-2018
أميرة عباس
تعرّف على معنى "إعطني الناي"بصوت فيروز في ذكرى ميلاد مؤلّفها الراحل جبران خليل جبران!

إسمه غنياً عن التعريف فهو الذي حمل إسم لبنان عالياً بقلمه ومؤلفاته وَصَنعَ للأدب اللبناني مدرسة خاصة به، إنّه الشاعر والكاتب والرسام جبران خليل جبران الذي يُصادف اليوم عيد ميلاده فهو من مواليد السادس من شهر كانون الثاني يناير من عام 1883.

بمناسبة عيد ميلاده سوف نستعرض إحدى أهم قصائده التي تحوّلت لأغنية رائعة بصوت السيدة فيروز ألا وهي "إعطني الناي" من ألحان نجيب حنكش. هذه الأغنية مقتبسة من قصيدة جبران بعنوان "المواكب" التي نشرها عام 1918. وهي قصيدة طويلة تتألف من مئتيْ وثلاثة بيتاً شعرياً، وإسم المواكب يرمز إلى مواكب الناس في حياتهم بمختلف مراحلها ومواقفها مع التناقض في مشاعر الناس خلال تغيّر هذه المراحل بين الخير والدين والعدل والحب فضلاً عن أنّها تصف جمال طبيعة لبنان.
ورغم أنّ هذه القصيدة المغنّاة هي من أهم الأعمال التي قدّمتها فيروز إلا أنّ البعض يستصعب معانيها لأنها تحمل رموزاً فلسفية ولا تقتصر فقط على الشعر والتقطيع الغنائي. فالراحل جبران خليل جبران إستطاع من خلال هذه القصيدة أن يدمج بين معاني الطبيعة ومبادئ الإنسان، فهي قصيدة رومانسية يتوجّه فيها الشاعر إلى الطبيعة لأنها رمز العالم المثالي والسعادة الأبدية. وعلى عكس ما يُقال عن "شريعة الغاب" لقد رسم جبران صورة شعرية في هذه القصيدة تجعل الغاب أي الطبيعة هي العالم المثالي الذي يتوق إليه وتجعل الإنسان يشعر بالمعاني السامية من الخير والحب والتقرّب من الله. والأعمق من ذلك في معاني الأغنية أنّ جبران يعتبر عناصر الطبيعة كالماء والهواء هي عناصر عطاء للإنسان والحياة لذا إنّ الغاب ترمز للحب والعطاء.
وحينما تقول القصيدة المغنّاة "إعطني الناي وغنّي فالغنا سر الوجود وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود" فالمقصود من ذلك أنّ الغناء والفن الذي يتجلى في الطبيعة هو وحده الباقي بعد رحيل الإنسان، وكأنّ جبران أراد التوحّد مع الطبيعة من شدّة تأمّله فيها مع إنصهاره بالفن الراقي ليعيش ويعزف ويغني في أحضان الطبيعة وهذا جلياً أيضاً في شطر البيت الذي يقول "هل إتخذت الغاب مثلي منزلاً دون القصور"، وفي بيتٍ آخر يقول:"هل فرشت العشب ليلاً وتلحّفت الفضاء زاهداً فيما سيأتي ناسياً ما قد مضى".
أما موسيقياً فإنّ لحن الأغنية يحمل أبعاداً عميقة لوضع هذه القصيدة في طابعها الفلسفي، إذ لحّن حنكش قصيدة "إعطني الناي" على مقام نهاوند "لا" وهو من المقامات العربية الشرقية الأصيلة التي تتميز بطابعها الموسيقي المليء بالشجن تماماً كالشجن الذي أراد جبران توصيفه، ويعتمد هذا المقام على أصغر درجة في السلم الموسيقي وهنا تكمن صعوبة الأداء الغنائي لما يتطلّب من ثبوت وإستقرار في المغنى. وجبران الذي يختتم بعض الأبيات بالأسئلة التي ذكرناها في الأعلى ويطرحها للمتلقّي تجعله يتخايل الإجابة، وهذا ما ترجمه حنكش أيضاً في اللحن حينما إعتمد على مقام النهوند الذي يبدأ باللحن صعوداً ثمّ نزولاً ويكون التركيز على إعلاء نوتة "سي" مقارنة بباقي الرتم الموسيقي مع زيادة صوتية في المسافة الغنائية ليستطيع بذلك المستمع أن يبتعد في مسافة الواقع ويتأمّل في خياله معاني الأغنية.
ولعلّ هذا التمعّن في كيفية صنع هذه التحفة الغنائية من كلمات وألحان وأداء غنائي يجعلنا ندرك سر خلود هذه الأغنية وغيرها من أعمال الفن الجميل.

jebran 2afaa